قمة موسكو .. البرهان يفتح ملفات السودان أمام القادة الروس والأفارقة

قمة موسكو .. البرهان يفتح ملفات السودان أمام القادة الروس والأفارقة

تقرير: مجدي العجب

تدخل العلاقات السودانية الروسية مرحلة جديدة مع توجه رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، إلى موسكو للمشاركة في القمة الروسية الأفريقية الثالثة، في محطة تتجاوز الطابع البروتوكولي إلى رهانات السياسة والاقتصاد والأمن وإعادة الإعمار. فمنذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام 1956، تواصلت الاتصالات الرسمية وتعددت مجالات التعاون، فيما تكتسب الشراكة الراهنة أهمية إضافية في ظل الحرب التي يشهدها السودان والتحولات المتسارعة في النظام الدولي. وتتيح القمة فرصة لبحث مستقبل التعاون الثنائي، واستكشاف إمكانات الاستثمار الروسي في القطاعات الاستراتيجية، وتنسيق المواقف بشأن القضايا الإقليمية والدولية، بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين.

 

 

 

ويقود الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي، وفد السودان للمشاركة في القمة الروسية الأفريقية الثالثة، التي تنعقد في موسكو خلال الفترة من 28 إلى 29 أكتوبر الجاري. ويضم الوفد السوداني وزيري الخارجية والمالية، والمدير العام لجهاز المخابرات العامة، والمدير العام لمنظومة الصناعات الدفاعية. ومن المقرر أن يخاطب رئيس مجلس السيادة القمة، ويلتقي نظيره الروسي في مباحثات ثنائية، إلى جانب زيارة الجامعة الروسية الحكومية للعلوم الإنسانية.

 

علاقات متطورة

 

وقال السفير محمد الغزالي التجاني سراج، سفير السودان لدى روسيا، لـ(سونا)، إن مشاركة السودان على هذا المستوى الرفيع في فعاليات القمة تأتي في وقت تشهد فيه العلاقات الثنائية بين البلدين تطوراً في مختلف المجالات، إلى جانب تعاون وتنسيق وثيقين، لا سيما في المحافل الدولية.
وأوضح أن روسيا أثبتت، من خلال دعمها للسودان في الآونة الأخيرة، مصداقيتها والتزامها بالمبادئ الحاكمة لسياستها الخارجية، القائمة على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وبناء العلاقات على أسس المصلحة المشتركة، دون استغلال أو اشتراطات، واحترام سيادة الدول ووحدتها الترابية.
وأضاف أن الدعم الروسي للسودان ظل مستنداً إلى هذه المبادئ، مشيراً إلى أن روسيا كانت من أوائل الدول التي أكدت سيادة السودان ومؤسساته الشرعية، وعلى رأسها القوات المسلحة السودانية، في ظل الحرب التي وصفها بأنها حرب استنزاف، مدعومة إقليمياً ودولياً بصورة واضحة.
وأشار إلى أن روسيا دافعت عن السودان في المحافل الدولية، لا سيما مجلس الأمن الدولي، باستخدام حق النقض (الفيتو)، والوقوف ضد أي محاولات للنيل من سيادة السودان ووحدته.
وقال السفير الغزالي: «ويأتي موقف روسيا الأخير ضد محاولات توسيع نطاق القرار 1591 لتشمل العقوبات كامل التراب السوداني شاهداً على ذلك، وهي مواقف مشرفة ظلت ثابتة ومتسقة طوال فترة الأزمة التي يشهدها السودان».

 

إعادة الإعمار

 

وأضاف السفير أن أهمية مشاركة السودان في القمة تنبع أيضاً من الدور الذي يمكن أن تؤديه روسيا في مرحلة إعادة الإعمار بالسودان، موضحاً أن اللجنة الحكومية المشتركة للتعاون الاقتصادي والتجاري ظلت تنعقد بانتظام.
وأشار إلى أن روسيا كانت أول دولة تنعقد معها لجنة وزارية بعد اندلاع الحرب في سبتمبر 2025، مبيناً أن بروتوكول الدورة الثامنة للجنة وضع خارطة طريق واضحة المعالم لدور روسي مهم وبنّاء في إعادة الإعمار.
وتشمل مجالات التعاون المطروحة الطاقة والنفط والتعدين والزراعة والبنية التحتية والتعليم العالي، إلى جانب مجالات أخرى.
وقال الغزالي إن أهمية هذه الخطوات تتضاعف في ظل احتفال البلدين هذا العام بمرور سبعين عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما، وهي علاقات اتسمت، في أغلب الأحيان، بالإرادة المشتركة والمتانة والصمود، بفضل جهود القيادتين في البلدين لتعزيزها والارتقاء بها نحو مراحل متقدمة من التطور والشراكة في مختلف المجالات.

 

البرهان في القمة

 

وأكد السفير الغزالي أن مشاركة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان تكتسب أهميتها في ظل ما وصفه بخطوات السودان الثابتة، وعزيمة شعبه وإصراره، ودعم قواته المسلحة، في سبيل تثبيت أركان الدولة ووحدتها والحفاظ على مؤسساتها ودرء التدخلات الخارجية في شؤونها.
وأشار إلى الانتصارات المتوالية التي يحققها السودان ضد مليشيا الدعم السريع وداعميها الإقليميين والدوليين، بحسب تعبيره.
وأضاف أن السودان أثبت أن إرادة الشعوب لا تُقهر، وأن الباطل، مهما طال الزمن، إلى زوال، معتبراً أن هذه الرسائل تمثل مضامين مهمة في محفل دولي جامع يتيح الفرصة لعكس ما وصفه بالنموذج المشرف للوحدة والتلاحم والتآزر في مواجهة أعداء الوطن.
وأوضح أن خطاب السودان، الذي سيلقيه رئيس مجلس السيادة أمام القادة وممثلي المنظمات الدولية والإقليمية، سيتضمن معاني ودلالات عميقة، ويستعرض رؤية السودان لتحقيق السلام والاستقرار لشعبه، والمحافظة على سيادته ووحدته.

 

رهان موسكو على أفريقيا

 

وحول دلالات انعقاد القمة ومراميها، قال سفير السودان لدى روسيا لـ(سونا) إن القمة الروسية الأفريقية الثالثة تنعقد في ظل استقطاب إقليمي ودولي حاد، وفي وقت تسعى فيه روسيا إلى تقديم نفسها بوصفها أحد الأطراف الداعية إلى إقامة نظام دولي متعدد الأقطاب، في ظل ما وصفه بتراجع النظام الدولي عن أسس ومرتكزات ميثاق الأمم المتحدة.
وأضاف أن الرؤية الروسية للعلاقات مع أفريقيا يمكن فهمها من هذه الزاوية، إذ تمثل القارة، وفق هذا التصور، فرصة لبناء علاقات متوازنة وغير خاضعة للابتزاز السياسي، بما يساعد دولها على تحقيق التطور والنهضة والنماء، من خلال التفاعل مع الطروحات الروسية المتعلقة بالاستقرار والتنمية.
وأشار إلى أن الاهتمام الأفريقي بآليات الشراكة مع روسيا يبرز هذا التوجه، مؤكداً أن أكثر من 36 من قادة الدول والحكومات أكدوا، بحسب المعلومات المتوفرة، مشاركتهم في أعمال القمة.

 

أجندة القمة

 

وفي ما يتعلق بالأجندة المطروحة أمام القمة، أوضح السفير الغزالي أنها ستناقش علاقات الشراكة الروسية الأفريقية من خلال ثلاثة مشروعات وثائق معروضة على القادة، هي إعلان القمة الروسية الأفريقية، والإعلان الخاص بالتعاون في الاستخدام المدني لتقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب خطة عمل الشراكة الروسية الأفريقية للأعوام 2027–2029.
وتتناول الوثائق أوجه التعاون الروسي الأفريقي وسبل تعزيزها في مختلف المجالات، فيما يركز الإعلان السياسي للقمة على قضايا سياسية واقتصادية وقانونية وأمنية متنوعة، فضلاً عن التعليم والعلوم والصحة والبيئة والمناخ وغيرها من المجالات.
وأكد مشروع خطة العمل أهمية تعزيز منتدى الشراكة بوصفه إطاراً مؤسسياً وآلية للمضي قدماً في الشراكة الروسية الأفريقية، ومواصلة الحوار، وعقد المؤتمرات الوزارية بصورة منتظمة، بهدف توسيع المشاورات وتنسيق المواقف الثنائية وفي المحافل الدولية.
وركزت الخطة على موضوعات مهمة، من بينها التعاون في الاقتصاد الرقمي، وتطوير التجارة والسياحة، وإدخال الرقمنة بصورة منهجية في إدارة الموارد الطبيعية، وأهمية امتلاك الدول القدرة الذاتية وتعزيز التنمية الاقتصادية في روسيا والدول الأفريقية.
كما تضمنت تقديم الدعم اللازم للدول الأفريقية لمساندة جهودها الرامية إلى تحقيق تنمية متوازنة، وفق أجندة القارة لعام 2063، المعروفة باسم «أفريقيا التي نريد».

زيارة مهمة

وقال دبلوماسيون إن زيارة البرهان إلى موسكو تكتسب أهميتها من تزامنها مع الحرب في السودان، واحتياج البلاد إلى توسيع علاقاتها الدولية وتأمين شراكات تسهم في إعادة الإعمار. وأكد الدبلوماسيون أن القمة الروسية الأفريقية تمثل منصة لبحث فرص التعاون في قطاعات الطاقة والتعدين والزراعة والبنية التحتية، إلى جانب التنسيق السياسي بشأن قضايا السيادة والأمن والاستقرار. غير أن تحويل المواقف السياسية إلى مكاسب ملموسة يظل مرتبطاً بقدرة الجانبين على ترجمة التفاهمات إلى اتفاقيات ومشروعات قابلة للتنفيذ، وتوفير التمويل والضمانات اللازمة للاستثمار. ومن ثم، فإن نتائج المباحثات الثنائية والاتفاقات المعلنة ستكون المعيار الأهم لقياس الأثر العملي للزيارة.