اللواء عوض أحمد خليفة.. سيرة ومسيرة شاعرٍ عسكريٍّ سكنته المشاعر

في الذكرى السابعة لرحيله

اللواء عوض أحمد خليفة.. سيرة ومسيرة شاعرٍ عسكريٍّ سكنته المشاعر

بقلم: أمير أحمد حمد

وُلد الشاعر السوداني اللواء عوض أحمد خليفة، واسمه الأصلي العوض وداعة الله أحمد خليفة، عام 1931 في مدينة أم درمان، بحي الموردة، شارع السيد الفيل. كان والده يعمل وكيلاً للبريد، أما والدته عزيزة عبد الله فتوفيت وهو لم يتجاوز الخامسة من عمره. وكان له منها شقيقتان، زينب ونورا، التي كانت تصغره سناً وتعلق بها كثيراً. وبعد وفاة والدته، تزوج والده امرأة أخرى أنجب منها فوزية وآمنة وسعاد وعزة وعمر.
بدأ عوض أحمد خليفة رحلته التعليمية في خلوة قدح الدم وخلوة السادة الأدارسة بالموردة، ثم التحق بروضة الأحفاد التي افتُتحت عام 1936، ومنها انتقل إلى الكُتّاب، ثم مدرسة الأحفاد الوسطى عام 1941، قبل أن يلتحق بمدرسة وادي سيدنا. وبعد إكمال دراسته المدرسية، التحق بكلية غردون التذكارية، حيث درس الآداب، لكنه لم يكمل دراسته الجامعية، إذ اختار الالتحاق بالكلية الحربية عام 1950. وتخرج فيها عام 1952، متصدراً دفعته التي ضمت جعفر محمد نميري، الذي أصبح لاحقاً رئيساً للجمهورية.
وظلت الدفعة تُعرف باسم عوض أحمد خليفة، باعتباره الأول على دفعته، حتى انقلاب مايو 1969، حين ارتبط اسمها بنميري الذي تولى السلطة في البلاد.

ميادين العمل العام

كان عوض أحمد خليفة من مؤسسي تنظيم الضباط الأحرار، لكن مسيرته العسكرية لم تخلُ من المنعطفات السياسية. ففي عام 1957 أُحيل إلى الاستيداع على خلفية اتهامه بالاشتراك في حركة انقلابية بقيادة عبد الرحمن كبيدة، قبل أن يغادر الخدمة العسكرية ويتجه إلى العمل المدني، ويلتحق بالأحفاد.
وفي عام 1969، أعاده صديقه وزميل دفعته جعفر نميري إلى الخدمة العسكرية، ليبدأ مرحلة جديدة من مسيرته المهنية. وتدرج في الرتب والمناصب حتى بلغ رتبة اللواء، قبل إحالته إلى المعاش عام 1974.
ولم يقتصر عطاؤه في القوات المسلحة على العمل العسكري التقليدي؛ فقد أسهم في إنشاء الجمعيات والمؤسسات التعاونية التي تقدم الخدمات لمنسوبي الجيش، وأسس فرع التوجيه المعنوي، وأسهم في إصدار جريدة القوات المسلحة، إلى جانب أدوار أخرى في تطوير العمل المؤسسي والاجتماعي داخل المؤسسة العسكرية.
وامتدت خبرته إلى المجال الصحفي والإداري، إذ عُيّن رئيساً لمجلس تحرير صحيفة «الأيام» بقرار من الرئيس جعفر نميري، في خطوة عكست تعدد مواهبه وقدرته على الانتقال بين مجالات العمل المختلفة.

شاعر الأغنية السودانية

وعلى الرغم من الحياة العسكرية التي اتسمت بالانضباط والمسؤولية، ظل الشعر مساحة أخرى في حياة عوض أحمد خليفة، عبّر من خلالها عن العاطفة والحنين والوفاء، وترك بصمة مميزة في تاريخ الأغنية السودانية.
بدأت رحلته مع الأغنية المغناة عام 1957، حين تغنى الفنان والملحن عبد الكريم الكابلي بكلمات أغنيته «أغلى من عيني»، التي كانت مدخلاً إلى تعاون فني أثمر أعمالاً أخرى، من بينها «كيف يهون عندك خصامي»، المعروفة أيضاً باسم «حنان»، و«خلاص خليتنا».
وفي مطلع ستينيات القرن الماضي، بدأت ثنائيته الأشهر مع الفنان عثمان حسين، بأغنية «عشرة الأيام»، التي أصبحت واحدة من علامات الأغنية السودانية. وتوالت بعدها أعمالهما، ومنها «خاطرك الغالي»، و«شتات الماضي»، و«خلي قلبك معاي شوية»، و«صرخة شوق»، و«نورا»، و«أيام شبابي معاك»، و«ربيع الدنيا»، وغيرها من الأغنيات التي رسخت مكانته في الوجدان السوداني.
ولم يتوقف عطاؤه عند هذين الفنانين، بل امتد إلى عدد من كبار المطربين، الذين وجدوا في كلماته مادة غنائية تجمع بين عذوبة التعبير وصدق العاطفة.

مع زيدان أبو داود وأبو عركي

كتب عوض أحمد خليفة للفنان زيدان إبراهيم أغنيات من بينها «في بعدك يا غالي»، من ألحان كسلاوي، و«بالي مشغول»، التي ارتبطت بقصة لافتة في مسيرتها الفنية.
فقد طلب الشاعر من الفنان ود الحاوي أن يخص زيدان إبراهيم بأغنية «بالي مشغول»، وشرع زيدان بالفعل في إجراء البروفات عليها، لكنه فوجئ بالفنان بكري مصطفى، شقيق الفنان صلاح مصطفى، يتغنى بها عبر الإذاعة في برنامج «أشكال وألوان»، الذي كان يقدمه أحمد الزبير. وبسبب ذلك، ترك زيدان الأغنية فترة من الزمن، ولم يتغنَّ بها إلا عام 1984.
كما تعاون الشاعر مع الفنان عبد العزيز محمد داود في أغنية «يا أغلى الحبايب»، من ألحان برعي محمد دفع الله، وكتب له أيضاً «أشقاني الحب»، التي يقول في مطلعها:

«خلاص أشقاني حبك وضاع مني الشباب جنيت بدل المحنة أسي وفرقة وعذاب زمان قالوا الأوائل أصلو الحب عذاب إذا لأمك يوم حبيبك أو حتى غاب».

وعلى الرغم من أن الأغنية مسجلة في الإذاعة، فإنها لا تحظى بالتداول الذي تستحقه، قياساً إلى قيمتها الفنية ومكانة مبدعيها.
أما مع الفنان أبو عركي البخيت، فقد قدم عوض أحمد خليفة واحدة من أبرز أغنياته، «لو كنت ناكر للهوى»، التي حققت حضوراً واسعاً في الساحة الفنية منذ ظهورها عام 1966، وظلت حاضرة في ذاكرة محبي الأغنية السودانية.
ولم يغب الفنان إبراهيم عوض عن سجل أعماله، إذ كتب له أغنية «يا غاية الآمال»، التي تمثل بداية تعاونه مع الملحن عبد اللطيف خضر، المعروف بود الحاوي.
وهكذا تنقلت كلماته بين أصوات ومدارس لحنية مختلفة، من عثمان حسين والكابلي إلى زيدان إبراهيم وأبي داود وأبو عركي البخيت وإبراهيم عوض، دون أن تفقد خصوصيتها أو ملامحها الشعرية.

خديجة حاضرة في القصائد

كان للحياة الخاصة أثر واضح في تجربة عوض أحمد خليفة الشعرية، إذ ذكر أن معظم أغنياته كتبها في زوجته خديجة، التي رحلت قبله، مستعيداً من خلالها مشاعر المحبة والوفاء وذكريات الحياة المشتركة.
كما أشار إلى أن الفترة الممتدة بين عامي 1962 و1968 شهدت كتابة معظم شعره، وهي مرحلة شهدت إنتاج عدد من الأعمال التي استقرت في ذاكرة المستمع السوداني.
ولم تكن عاطفته في القصيدة مجرد كلمات موزونة تبحث عن اللحن، بل كانت تجربة إنسانية تنعكس في تفاصيل الفراق والعتاب والحنين، وتمنح أغنياته قدرة على ملامسة تجارب الناس المختلفة، مهما تباعدت أجيالهم.

سجال شعري مع إسماعيل حسن

ومن المحطات اللافتة في مسيرته الشعرية موقفه من أغنية «الوصية» للشاعر إسماعيل حسن، التي رأى عوض أحمد خليفة أن كلماتها تعاملت مع المحبوب بندية لم ترق له.
ودفعه ذلك إلى كتابة عدد من القصائد رداً على الفكرة التي حملتها الأغنية، في سجال شعري عكس اختلاف الرؤى بين شاعرين ينتميان إلى جيل واحد، لكن لكل منهما طريقته في التعبير عن الحب ومخاطبة المحبوب.
وبحسب الرواية الواردة في سيرته، أسهمت تلك القصائد في دفع إسماعيل حسن إلى العدول عن فكرة مهاجمة المحبوب.
ويكشف هذا الموقف جانباً آخر من شخصية عوض أحمد خليفة، فهو لم يكن يكتفي بكتابة الأغنية وتقديمها للمطرب، بل كانت له رؤيته الخاصة في طبيعة العلاقة بين الشاعر والمحبوب، وفي اللغة التي ينبغي أن تحكم هذا الخطاب.

الرحيل وبقاء الأثر

رحل اللواء الشاعر عوض أحمد خليفة في صباح الخميس 24 أكتوبر 2019، عن عمر ناهز ثمانية وثمانين عاماً، ودُفن بمقابر حمد النيل في أم درمان. وبرحيله، فقدت الساحة السودانية واحداً من أبرز شعراء الأغنية الحديثة، ممن جمعوا بين التجربة العسكرية والعمل العام والإبداع الأدبي.
رحم الله اللواء الشاعر عوض أحمد خليفة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن السودان وأهله خير الجزاء، بقدر ما أهدى إلى مكتبة الأغنية السودانية من أعمال ظلت تنبض بالحب والحنين، وتمنح الذاكرة ما يستحق أن يبقى.