
حرب الظل .. المخابرات والاستخبارات تفككان المليشيا من الداخل
حرب الظل .. المخابرات والاستخبارات تفككان المليشيا من الداخل
تقرير: مجدي العجب
ليست كل المعارك التي تغيّر مصائر الحروب تُخاض في ميادين القتال، ولا تُقاس الانتصارات دائماً بعدد المواقع التي تسقط أو المدن التي تُستعاد؛ فثمة معارك أخرى تدور في صمت، خلف ستار من السرية، حيث تسبق المعلومة الدقيقة تحركات الميدان، وتكشف للعقل الاستخباراتي مكامن قوة الخصم ونقاط ضعفه. وفي المساحة الفاصلة بين ما يظهر للعيان وما يجري خلف الكواليس، تُدار واحدة من أكثر جبهات الحرب تعقيداً وتأثيراً. وفي المشهد السوداني، تبرز أهمية الدور الذي يضطلع به جهاز المخابرات العامة والاستخبارات العسكرية في مواجهة مليشيا الدعم السريع، عبر جهود تستهدف كشف بنيتها الداخلية، ورصد تشابكاتها، واستثمار تناقضاتها وصراعات النفوذ بين قياداتها. فالمصالح المتضاربة والولاءات المتبدلة قد تتحول، مع مرور الوقت، إلى تصدعات تهدد وحدة التنظيم وتضعف قدرته على الاحتفاظ بتماسكه القيادي والقتالي.
ولا تقتصر آثار هذه المواجهة على ما يتحقق من معلومات أو اختراقات، بل تمتد إلى الانشقاقات واضطراب الولاءات وتراجع الثقة داخل صفوف المليشيا. وفي مثل هذه الظروف، تصبح القدرة على فهم التحولات الداخلية وشبكات العلاقات ومراكز النفوذ عاملاً مؤثراً في إضعاف الخصم، بالتوازي مع العمليات العسكرية على الأرض.
الاحتراف
ولعل من أبرز محطات هذا التصدع انشقاق أبو عاقلة كيكل في أكتوبر 2024، ثم توالي مغادرة قيادات ميدانية بارزة، من بينها اللواء النور أحمد آدم، المعروف بـ«النور القبة»، والعميد علي رزق الله، المعروف بـ«السافنا»، والعميد موسى خمسين. وفي أكتوبر 2026، برز انشقاق المقدم محمد أزرق الفنجري، الذي عرّف نفسه بأنه قائد مجموعة المهام الخاصة بمليشيا الدعم السريع، معلناً انحيازه إلى القوات المسلحة، وداعياً رفاقه إلى مغادرة صفوف المليشيا.
ووفقاً لتقارير إعلامية، رافقه نحو 300 ضابط وجندي و30 عربة قتالية، وهي أرقام كبيرة يُتوقع أن تزيد من إضعاف المليشيا التي تعاني بالفعل من التصدعات الداخلية. وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من طبيعة الوحدة التي كان يقودها، ومن دلالاتها على مستوى التصدعات التي قد تطال البنية القيادية والعملياتية للمليشيا.
كما شهد يوم 24 أكتوبر انشقاق المقدم جدو محمد آدمو همة، قائد المجموعة 135 وقطاع جنوب نيالا، إلى جانب ستة ضباط آخرين، وفقاً لمصدر عسكري نقلت عنه قناة الجزيرة. وتكشف هذه التطورات المتلاحقة عن استمرار حركة الانشقاقات، بما تحمله من أبعاد عسكرية ومعنوية وتنظيمية.
عقلية فذة
وقال الخبير العسكري والمحلل الاستراتيجي العميد المتقاعد محمد فرح إن توالي انشقاق القيادات الميدانية عن مليشيا الدعم السريع وانضمامها إلى القوات المسلحة يعكس تصاعد التصدعات داخل بنيتها القيادية والتنظيمية، مشيراً إلى أن هذه التطورات تتجاوز خسارة الأفراد والآليات إلى ما تحمله من تداعيات على تماسك المليشيا وقدرتها على إدارة العمليات العسكرية.
وأوضح فرح، في حديث خصّ به «ألوان»، أن انشقاق قيادات تمتلك معرفة ميدانية بطبيعة الانتشار والتحركات ومراكز القيادة يكتسب أهمية عسكرية واستخباراتية، لما قد يوفره من معلومات تسهم في فهم قدرات الخصم وتقدير تحركاته. وأضاف أن انتقال القادة والمجموعات المقاتلة إلى صفوف الجيش يمكن أن يترك أثراً معنوياً داخل المليشيا، خصوصاً عندما تتكرر الانشقاقات على مستويات قيادية مختلفة.
ركيزة الأمن الوطني
من جانبه، قال الأكاديمي والخبير الاستراتيجي الدكتور محي الدين محمد محي الدين إن تفكك البنية الداخلية لمليشيا الدعم السريع وتوالي انشقاق قياداتها الميدانية يسلطان الضوء على أهمية الدور الذي تضطلع به أجهزة الاستخبارات في إدارة الحروب الحديثة، مشيراً إلى أن اختراق التنظيمات المسلحة من الداخل يتطلب عملاً تراكمياً قائماً على جمع المعلومات وتحليلها، وفهم مراكز النفوذ وتوازنات المصالح والولاءات.
وأوضح محي الدين، في حديث لـ«ألوان»، أن جهاز المخابرات العامة والاستخبارات العسكرية يمثلان ركيزة مهمة في منظومة الأمن الوطني، بالنظر إلى طبيعة المهام التي يضطلعان بها في رصد تحركات الخصم وتحليل بنيته التنظيمية ومتابعة التحولات داخل صفوفه. وأضاف أن الانشقاقات المتكررة أحدثت آثاراً تتجاوز الخسائر البشرية والميدانية، لتطال الروح المعنوية ومستوى الثقة بين القيادات والعناصر، فضلاً عن إرباك منظومة القيادة والسيطرة لدى المليشيا.
أوان تفكك المليشيا
وتكشف الانشقاقات المتلاحقة عن تصاعد الضغوط التي تواجه مليشيا الدعم السريع على المستويين القيادي والتنظيمي، في ظل مغادرة شخصيات ميدانية بارزة وانعكاسات ذلك على تماسك صفوفها. وفي موازاة المواجهات العسكرية، تبرز أهمية العمل الاستخباراتي في رصد هذه التحولات وتحليلها، بما يساعد على فهم طبيعة الخصم وتقدير قدراته واتجاهات تحركاته.
ويظل جهاز المخابرات العامة والاستخبارات العسكرية أمام مسؤولية استراتيجية تتصل بحماية الأمن الوطني ومساندة القوات المسلحة في مواجهة التحديات الأمنية والعسكرية. ومع استمرار الانشقاقات وتراجع الثقة بين القيادات والعناصر، تواجه مليشيا الدعم السريع اختباراً صعباً لقدرتها على الحفاظ على وحدتها وتماسكها، فيما تبقى التطورات الميدانية والتنظيمية عاملاً حاسماً في تحديد مسار الحرب.
