حسين خوجلي يكتب: حواشي ومتون
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
حواشي ومتون
1
دائمًا ما تبقى في الذاكرة عبارات نلتقطها من المقالات القديمة، قد نحفظها (صمًّا)، وقد تبقى فينا المعاني وننزل عليها المباني. ومما أتذكره في قضايا السلم والحرب:
إنّ السلام كالحرب معركة لها جيوش وحشود وخطط وأهداف، والثقة بالنفس معركة ضدّ كل مضاعفات الهزيمة.
2
يروى عن سليمان بن عبد الملك أنه قال عند موت ابنه أيوب، لعمر بن عبد العزيز ورجاء بن حيوة: إني لأجد في كبدي جمرة لا تطفئها إلا عبرة، فقال عمر: اذكر الله يا أمير المؤمنين وعليك الصبر. فنظر إلى رجاء بن حيوة كالمستريح إلى مشورته، فقال له رجاء: أفضها يا أمير المؤمنين، فما بذاك من بأس، فقد دمعت عينا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ابنه إبراهيم، وقال: (العين تدمع، والقلب يوجع، ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا يا إبراهيم لمحزونون). فأرسل سليمان عينه فبكى حتى قضى أرباً، ثم أقبل عليهما فقال: لو لم أنزف هذه العبرة لانصدعت كبدي. ثم لم يبك بعدها، ولكنه تمثل عند قبره لما دفنه وحثا على قبره التراب، وقال: يا غلام، دابتي، ثم التفت إلى قبره، فقال:
وقفت على قبر مقيم بقفرة
متاع قليل من حبيب مفارق
حاشية: السودان في معركة الشرف الوطني يدفن الكثير من الشباب والمجاهدين الشهداء في القفر البعيد ليعطروا الأرض بدمائهم الطاهرة، فنسأل الله أن يبلغوا الجنة مع سبعين من أهلهم كما وعدت البشارة، ونرجو أن تكون هنالك كلمات تعزية للأم والأب كقول عمر بن عبد العزيز أو تعزية ابن حيوة.
3
الثقة بالنفس هي أن تعتقد في نفسك اعتقاداً راسخاً بإمكانية تحقيق الهدف بإذن الله رغم جميع الظروف والتحديات.
حاشية: يا ترى، هل في مثل حالنا الآن في قلب النكبة نبدأ بالثقة بالنفس أولًا أم نبدأ الثقة بالوطن، ثم يتصاعد الكل إلى الجزء لا الجزء إلى الكل؟ فليس في الوقت مساحة للتفكير، فسوأة الجهل والفقر والمرض تحيط بنا من كل جانب.
4
قال الأصمعي: بلغني أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان يقول: إنَّما المرء في الدنيا غَرَضٌ تُنْتَضَلُ فيه المنايا ، ونَهْبٌ للمصائب، ومع كل جرعة شرقٌ، وفي كل أكلة غَصَصٌ، ولا ينال العبدُ فيها نِعْمَةً إلا بفراق أخرى، ولا يستقبل يوماً من عمره إلا يهدم آخر من أجله؛ فنحن أعوان الحَتُوف، وأنفسُنا تسوقنا إلى الفناء، فمن أين نرجو البقاء؛ وهذا الليل والنهار لم يَرْفَعا من شيء شرفاً إلا أسرعا الكَرَّةَ في هَدْم ما بَنَيا، وتفريق ما جَمَعا، فاطلبوا الخير وأهله، واعلموا أنَّ خيراً من الخير مُعْطِيه، وشَرّاً من الشر فاعله.
حاشية: كل أحاديث أبي تراب تدعو للدهشة والعجب، وتبعث في النفس بواعث الحجة والنصيحة، وتستولد من خامل الديباجة المفردات والصفات، وقد كدت أن أهتف هاتفًا وأنا أقرأ مفردة (أعوان الحُتُوف).
5
يقول: طه عبد الرحمن: إن الإنسان، بطبعه، كائن متصل، واتصاله يكون بالزمان والمكان؛ واتصاله بالزمان يجعله يربط الماضي بالحاضر والمستقبل معًا؛ فلابد لكل إنسان، كيفما كان حاله، من أن يكون له امتداد فيما سبق وامتداد فيما سيأتي؛ فعنده حاجة ميتافيزيقية أو روحية أو غيبية إلى أن تكون ذاته موصولة؛ ووجوب هذه (الموصولية) هو الذي يدفعه إلى الاهتمام بالتراث، وهو حينما يرجع إلى التراث، فإنه يرجع إلى حالة الاتصال بالماضي باعتباره مقومًا من مقومات ذاته.
حاشية: كل دارس أو قارئ جاد له اهتمام بالفكر وقضايا النقد المنهجي والفلسفة، خاصة إذا بلغ منها مبلغ ما بعد التمهيدي، فعليه بكتابات المفكر طه عبد الرجمن؛ إن في كتابات الرجل عمقًا وتجديدًا واستنهاضًا لموهبة الفكر المتقد والعصف الذهني، فمهما تزايدت الملهيات فإن الكتاب يظل هو المبتغى، وتظل رائحة الحبر هي عند العارفين أغلى أنواع العطور.
6
يقول ابن تيمية:
المرأة الصالحة تكون في صحبة زوجها الرجل الصالح سنين كثيرة ، وهي متاعه الذي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة المؤمنة، إن نظرت إليها أعجبتك، وإن أمرتها أطاعتك، وإن غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك) وهي التي أمر بها النبي في قوله لما سأله المهاجرون أي المال نتخذ فقال: (لساناً ذاكراً، وقلباً شاكراً، أو امرأة صالحةً تعين أحدكم على إيمانه) رواه الترمذي، من حديث سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان. ويكون منها من المودة والرحمة ما امتنَّ الله تعالى بها في كتابه، فيكون ألم الفراق أشد عليها من الموت أحيانا وأشد من ذهاب المال وأشد من فراق الأوطان ، خصوصا إن كان بأحدهما علاقة من صاحبه، أو كان بينهما أطفال يضيعون بالفراق ويفسد حالهم.
حاشية: رحم الله الإمام المجاهد ابن تيمية – قدس الله سره -، فقد قال عنه أصحاب السير إن العلم والفقه والترحال والجهاد والسجون لم تترك له مساحة للزواج، فقد مات في زنزانته ولم يتزوج. نسأل الله له حوريات الجنة، فقد أبقى لنا من العلم ما يكفي قرنًا كاملًا من الاطلاع. عزيزي القارئ، هذا رأي ابن تيمية في المرأة من غير اقتران، فيا ترى كيف كان سيكون قوله إذا اقترن؟.
7
يقول ابن القيم في نونينه:
فيما أعد الله تعالى من الإحسان للمتمسكين بكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم عند فساد الزمان.
هذا وللمتمسكين بسنة المختار
عند فساد ذي الأزمان
أجر عظيم ليس يقدر قدره
إلا الذي أعطاه للإنسان
فروى أبو داود في سنن له
ورواه أيضا أحمد الشيباني
أثرا تضمن أجر خمسين امرءا
من صحب أحمد خيرة الرحمان
إسناده حسن ومصداق له
في مسلم فافهمه بالإحسان
إن العبادة وقت هرج هجرة
حقا إلي وذاك ذو برهان
هذا فكم من هجرة لك
أيها السـني بالتحقيق لا بأمان
هذا وكم من هجرة لهم بما
قال الرسول وجاء في القرآن
ولقد أتى مصداقه في الترمذي
لمن له أذنان واعيتان
في أجر محيي سنة ماتت
فذاك مع الرسول رفيقه بجنان
هذا ومصداق له أيضا أتى
في الترمذي لمن له عينان
تشبيه أمته بغيث أول
منه وآخره فمشتبهان
فلذالك لا يدري الذي هو منهما
قد خص بالتفضيل والرجحان
ولقد أتى أثر بأن الفضل في
الطرفين أعني أولا والثاني
والوسط ذو ثبج فأعوج هكذا
جاء الحديث وليس ذا نكران
ولقد أتى في الوحي مصداق له
في الثلتين وذاك في القرآن
أهل اليمن فثلة مع مثلها
والسابقون أقل في الحسبان
ما ذاك إلا أن تابعهم هم
الغرباء ليست غربة الأوطان
حاشية: وكلما جاءت سيرة ابن تيمية، جاءت سيرة تلميذه ابن القيم الجوزية، صاحب المؤلفات الخفيفة على الروح، الخفيفة على العقل، الساقية في شرايين المؤمنين الكثير من العلم الوضيء، دون تعقيد، ودون استرسال، ودون تزيد، ولا أحسب أن هنالك رجلًا يريد الاستزادة برفق من العلم إلا امتلك مجموعة ابن القيم فقهًا وعلمًا ولطائف وأشعارًا.
