
جامعة الخرطوم .. ستبقى الجميلة جميلة ومستحيلة تعشقها الأجيال
جامعة الخرطوم .. ستبقى الجميلة جميلة ومستحيلة تعشقها الأجيال
بقلم: هدى العليش
هناك أماكن نحبها، وأماكن نعشقها، وأماكن نحلم بها. جامعة الخرطوم ظلت حلمًا يراود الكثير من أجيال التعليم، عالقة في الذاكرة صحوةً ومنامًا، حلمًا سماويًا نضرًا، معشوقة الأجيال وموسيقى معزوفة في داخل كل من يعلم عراقتها ومكانتها السامية.
تسابق إليها كل طالب في السودان، وظل ساهرًا مجتهدًا، لم يهجع، ينتظر أن يتبوأ مقعدًا فيها.
جامعة الخرطوم لا تُحب فقط، جامعة الخرطوم تُعشق كجميلة صعبة المنال، محروسة برقابة مشددة، تهواها القلوب وتشتهيها الأرواح.
عشقتها الأجيال جيلًا بعد جيل؛ لأنها لم تكن مجرد جامعة، بل كانت حكاية حب سودانية كاملة.
الجيل الأول عشقها لأنها كانت الحرية.
عندما كانت كلية غردون، ثم صارت جامعة الخرطوم، كانت أول مكان يقول فيه السوداني «لا» بصوت عالٍ. منها خرجت ثورة 21 أكتوبر، وكان القرشي شهيدنا الأول.
وعشقها جيلنا لأنها كانت المستحيلة.
من يتم قبوله فيها يصبح رقمًا وعلمًا بين أقرانه. كيف؟ كنا نراها في المجلة ونسمع عنها في الراديو: الجميلة المستحيلة، ونسبة 95% لدخولها.
أن تدخلها يعني أنك أصبحت واحدًا من الصفوة والطبقة المميزة.
كان الطالب يذاكر على ضوء لمبة جاز في أغلب مناطق السودان، ولكن الحلم لم تكن تعترضه الوسائل؛ حلمهم أن يدخلوها بسلام آمنين.
وأن تمر ببوابتها الرئيسية كأنك تدخل مكانًا مقدسًا وقصور كسرى، لعظمة المكان وجمال فنائه.
جيل اليوم يعشقها ويناديها كما نادى الدوش محبوبته!
الطالب اليوم يعيش حالة نزوح، وما زال يكتب في كراسته، وغاية أمنياته أن تظل جامعة الخرطوم مقصدًا وهوية وفخرًا لكل سوداني.
الحرب سرقت القاعات، ولكنها لم تسرق العشق لهذه الجميلة.
لماذا تبقى معشوقة كل الأجيال؟
لأنها تشبه السودان في العراقة والشمول والوفرة، وبداخلها كل العلوم جملةً وتفصيلًا. إذا درست فيها، كنت شاملًا، حتى إن تخصصت في علم محدد.
لأنها السودان المصغر جغرافيًا، داخلية واحدة تجمع كل السودان بمسمياته، وهنا يكون الفارق بالسنة الدراسية لا بالقبيلة.
«برلوم»، «سنير»، «شارع المين».
لأنها علمتنا أن العلم هو الحل، وأن الفقر الذي كتبنا عنه لا يُهزم إلا بالعلم، وأن الحرب لا تُهزم إلا بالوعي، وأن أكتوبر الذي كتبنا عنه وغنينا له بدأ من هنا، من داخل محرابها ومن مسام طلابها، الطبقة المستنيرة.
اليوم الجميلة حزينة، نعم. مبانيها مجروحة، نعم، لكن الجميلات لا يمتن، الجميلات يمرضن ويعدن أجمل.
ستعود الجميلة، وتعود أنوار الصباح، وستفتح بواباتها؛ سترى أبناءها يتصورون بثوب التخرج وهم يبكون من الفرح.
وحينها نقول لهم: العشق وفاء، وهي الأم التي تستحق ذلك.
حافظنا على حبها، والحرب غيرت الملامح ولم تغير الدواخل.
ستبقى الجميلة جميلة… ومستحيلة.
وستبقى تعشقها الأجيال؛ لأنها ببساطة… جامعة الخرطوم، الجميلة والمستحيلة، جميلة الجميلات وأمنية الأمنيات.
مهما احترقت القاعات، وتكسرت البنشات، ونهبت المعامل، ستظل الجميلة جميلة.
مهما سكتت أصوات النقاش في شارع المين، وغاب صوت وردي من مسرح النشاط.
مهما حدث، الجميلة جميلة… مهما نزح أساتذتها، وتشرد طلابها، ونام الحرس الجامعي في العراء.
مهما صارت بواباتها متاريس، وقاعاتها ثكنات، ستعود بقوة.
ستبقى مستحيلة…
ستبقى مستحيلة على الحرب أن تمحو تاريخها.
مستحيلة على الجهل أن يهزم علمها.
مستحيلة على كل من ظن أن السودان يمكن أن ينكسر بكسر جامعته؛ لأن جامعة الخرطوم ليست حيطانًا، ولكنها مائة سنة من الهيبة والعطاء.
هي أول لبنة في السودان الحديث.
هي أم الجامعات وأصل الحكاية.
ستبقى الجميلة جميلة ومستحيلة، وعصية على النسيان، وعلى الزمن أن يجود بمثلها، هوية سودانية كاملة الدسم.
