
أحمد المصطفى .. عميد الفن السوداني
في الذكرى الـ27 لرحيله
أحمد المصطفى .. عميد الفن السوداني
بقلم: أمير أحمد حمد
أحمد المصطفى محمد بركات، اسم شغل الناس زمانًا، وسما في نفوسهم مكانًا. وهبه الله الرزانة؛ فهو رزين في كلامه، طروب في غنائه، حصيف في قيادته لزملائه، الذين تولى نقابتهم مدة لا تقل عن ربع قرن من الزمان، فعل فيها ما فعل من أجل أبناء داره، وتوسط بينهم، مرشدًا لهم، وموجهًا لمخطئهم، ومثنيًا على محسنهم. كان مخلصًا وفيًّا لهم.
وقد كانت نظرة عميد الفن السوداني الأول، الحاج محمد أحمد سرور، صائبة حين أطلق عليه لقب عميد الفن السوداني؛ فقد كان أحمد المصطفى عميد الفن السوداني الثاني، وكان حقًّا أهلًا لهذه العمادة. كان مهندمًا، حسن المنظر، حلو المعشر، لا يرتدي من الملابس إلا ما كان كاملًا، سواء أكان ملبسه أفرنجيًّا أم قوميًّا. واستطاع أن يغير نظرة المجتمع إلى الفنان، فبعد أن كان يُنظر إليه بوصفه صائعًا صعلوكًا، بسبب سلوكه وما يتناوله من مفردات، أصبح أستاذًا. وهذه المكانة تؤكد صدق عمادته للفن.
نشأ في بيئة مليئة بالتصوف وحلقات الذكر والمدائح، وما يصاحبها من إيقاعات مختلفة، استقرت في أذنه ونقرت على جوانحه، ومن ثم تسرب إليه وميض أو شعاع حب الفن، فنما وازدهر في دواخله.
لم يتلقَّ تعليمًا منتظمًا، ولكن شاءت الأقدار أن يكون تحت رعاية وتربية ذلك المحسن، حيا الغمام، السيد عبد المنعم محمد، رجل البر والإحسان، إذ وهبه إياه والده، فاتخذه ابنًا له. وخلال هذه الفترة، كان يطالع الصحف والمجلات المصرية التي كانت تأتي بانتظام إلى منزل عبد المنعم محمد، فاتسعت ثقافته واطلاعه على الفن الشرقي، خاصة المصري.
عمل في شركة عبد المنعم محمد، واكتسب خبرة جعلته رجل أعمال ناجحًا.
وفي فترة عمله بالشركة، التقى بمحاسب الشركة، وهو شخص يُدعى كمال متى، الشهير بـ«مشمش». كان رجلًا مهتمًّا بالفن، فتعلم على يديه العزف على العود وفق الموسيقى الشرقية.
ولكن حبه لنغم الموسيقى السودانية جعله لا يحيد عنها، فكان بارعًا في عزفه على العود، وله طريقته التي تميزه عن رصفائه الفنانين.
ويُعتبر أحمد المصطفى من أوائل الفنانين السودانيين الذين غنوا في استديوهات الإذاعة البريطانية.
كما يُعتبر من مؤسسي نهضة الغناء السوداني الحديث في فترة ما بعد افتتاح الإذاعة السودانية عام 1940.
وقد شارك مع زميليه الحاج محمد أحمد سرور وحسن عطية في الترفيه عن الجنود السودانيين في شمال أفريقيا إبان الحرب العالمية الثانية.
كانت بدايته مع خاله، الشاعر أحمد محمد الشيخ الجاغريو، فغنى من كلماته ما لا يقل عن ثماني أغانٍ، أولها أغنية «بهواكم ابتلينا»، وهي أول أغنية يمتلكها ويلحنها أحمد المصطفى.
بهواكم ابتلينا، يا النفور حن علينا، ليلة لقاه مروح، بيه الفؤاد مجروح، وضح لي يا عصفور، كيفن وداع الروح، نافر ضربت خلاك، يتحفظك مولاك، أنا ما بطيق بعدك.
كما ارتبط أيضًا بالشاعر حسن عوض أبو العلا، وكانت أغنياته فتحًا كبيرًا لأحمد المصطفى، خاصة الأغنيات التي تحكي عن مأساته التي حدثت في مقتبل عمره، فكتب تلك الأغنية الحزينة:
بطرى اللي آمال وغاية، وما بتحمي المقدور وقاية، يسلم ناجي من الرماح فيك يا مصر أسباب وفي السودان همي وعزاي، صابر ولم أعلم جزاي، والتأويه أصبح جزاي، صرت مسلم لي رداي، زي طاير مكسور جناحو دهري إن صابني بكل خفايا، وحطم وعكر لي صفاي، برضي على حبي ووفايا، واعلم في وجودك شفاي، شي من لا شي بس كفاية، علو بمسك أجد نصاح
ثم توالت مجموعة من الأغنيات من نظمه، فأبدع أحمد المصطفى في تلحينها، ورسخت في قلوب معجبيه.
وحقيقة الأمر أن أحمد المصطفى غنى لعدد كبير من الشعراء، تجاوز عددهم الثلاثين شاعرًا، منهم:
الشاعر أحمد محمد الشيخ الجاغريو: حبيبي أنا فرحان، يا رائع، طار قلبي، حاولت أنساك، يا هواي، السادة الميني، صادفني الحبيب، سميري.
الشاعر حسن عوض أبو العلا: يا ناري قيدي، سفري، ما تبين يا أنت، بل شوقي، القربو يحنن، رحماك يا ملاك، حبيب ملكت فؤادي، حبيب الروح، بحبك زي عيوني، حرام يا زازا، غرام قلبين.
الشاعر عبد المنعم عبد الحي: يا حياتي، فارق لا تلم، يا ناسينا، فتنتي، أنا أم درمان.
الشاعر صلاح أحمد محمد صالح: نحن في السودان، الليلة ما جاني، أهواك، أشكي وأبكي لمين.
الشاعر مهدي الأمين: في سكون الليل، وبعض الأغنيات الأخرى التي لم تنل حظها من الانتشار.
الشاعر السر دوليب: الأم، وهي أول أغنية للأم، احتار خيالي، يا حبيب هون.
الشاعر حسين عثمان منصور: أيام زمان، بتروح ما بترجع، أنت الجندي.
الشاعر علي حامد البدوي: عشت يا سودان، فجر.
الشاعر مبارك عبد الوهاب: حياتي، ظالمني.
الشاعر إسماعيل حسن: يا ظبية، ليالي الريد.
الشاعر كمال محيسي: نور في نار.
كما غنى من كلمات كل من الصاغ محمود أبو بكر: «زاهي في خدرو»، وأبو بكر فريد: «أبكي»، والزين عباس عمارة: «في الخيال مرة»، وحسين بازرعة: «قلبي بادلني هواه»، وعوض الكريم القرشي: «يلاك يا عصفور»، والنعمان: «على الله»، و«أنت مالك ومالي»، وأبو آمنة حامد: «غريب»، وإيليا أبو ماضي: «وطن النجوم»، وعبد الماجد أبو حسبو: «يوم حبي»، وبشير عبد الرحمن: «بنت النيل»، وأحمد رامي: «راحل مقيم»، وطه حمدتو: «الوسيم»، وحسبو سليمان: «السوسن البراق»، وخالد عبد الرحمن أبو الروس: «ما أحلى ساعات اللقاء»، وأحمد إبراهيم الطاش: «يا عظيم».
وقد بلغ عدد أغنياته المسجلة بالإذاعة 71 أغنية.
وفي عام 1985، أصيب أحمد المصطفى بجلطة أثرت في نطقه وعطلت بعضًا من حركته، فسافر إلى لندن للاستشفاء، وتحسنت صحته قليلًا.
وفي مطلع أكتوبر من عام 1999، أُصيب بداء الملاريا، وفي نهاية الشهر نفسه، وتحديدًا في 30 أكتوبر 1999، انتقل إلى الرفيق الأعلى، بعد مسيرة حافلة بالعطاء والنقاء. له الرحمة والمغفرة.
