
معركة الشرعية.. حزب الأمة يتحصّن بالدستور في مواجهة المليشيا وصمود
معركة الشرعية.. حزب الأمة يتحصّن بالدستور في مواجهة المليشيا وصمود
تقرير: مجدي العجب
في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ حزب الأمة القومي، تتجه ترتيباته التنظيمية نحو عقد الهيئة المركزية وفقاً لدستور الحزب، في خطوة تحمل أبعاداً تتجاوز مجرد استكمال استحقاق مؤسسي، لتلامس جوهر الصراع الدائر حول شرعية القيادة، واستقلال القرار السياسي، ومستقبل الحزب في ظل محاولة البعض إبعاد الحزب عن مشروعه وإرثه الجماهيري. وتأتي هذه التحركات لقطع الطريق أمام مجموعة تريد أن تلقي بالحزب في أحضان «صمود»، المجموعة التي أصبحت بعيدة عن الشعب السوداني، وذلك على خلفية طبيعة التحالفات السياسية التي انخرطت فيها مجموعة الواثق البرير ورئيس المكتب السياسي محمد المهدي حسن، في إطار تقاربها مع مجموعة «صمود»، التي تتبنى خطاباً يتسم بالحياد إزاء الحرب، ويتجاهل مسؤولية مليشيا الدعم السريع عن الانتهاكات التي طالت المدنيين ومؤسسات الدولة.
حق دستوري
في المقابل، تبرز ترتيبات الهيئة المركزية باعتبارها المسار الدستوري الذي يمكن أن يعيد القرار إلى مؤسسات الحزب وقواعده، ويضع حداً لمحاولات فرض اتجاه سياسي بعينه دون تفويض تنظيمي واضح، أو توظيف اسم حزب الأمة وتاريخه في تحالفات لا تحظى بإجماع عضويته.
الدستور في مواجهة الأمر الواقع
ولا تنحصر أهمية الهيئة المركزية في كونها مؤسسة تنظيمية ضمن هيكل الحزب، بل في طبيعة الاختصاصات التي تضطلع بها، باعتبارها إحدى المرجعيات الأساسية في تحديد السياسات العامة، ومراجعة أداء القيادة، وحسم القضايا المصيرية التي تواجه الحزب.
ومن هنا، فإن التحرك لعقدها وفقاً للدستور يمثل استعادة لمرجعية المؤسسات في مواجهة حالة التنازع السياسي والتنظيمي، ويؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الاحتكام إلى اللوائح والقواعد هو الفيصل في تحديد شرعية المواقف والقيادات.
وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من كونها تأتي في مواجهة واقع تتعدد فيه مراكز القرار، وتتصادم فيه الرؤى بشأن الحرب والتحالفات السياسية، بينما تظل قواعد الحزب صاحبة الحق الأصيل في تحديد اتجاهاته وموقعه من المشهد الوطني.
فالرهان، في جوهره، ليس على عقد اجتماع تنظيمي فحسب، وإنما على إعادة بناء الشرعية من داخل الحزب، ومنع تحويل مؤسساته إلى مجرد واجهات لقرارات تُصنع خارجها.
الأمة أم صمود؟
ويشكل التقارب بين مجموعة الواثق البرير ومحمد المهدي حسن ومجموعة «صمود» إحدى أبرز نقاط الخلاف داخل حزب الأمة القومي، في ظل التباين الواضح حول الموقف من الحرب، وطبيعة العلاقة مع القوى السياسية التي تتبنى خطاباً يدعو إلى وقفها، دون أن يتسم هذا الخطاب بالوضوح في إدانة الانتهاكات أو تحديد المسؤولية عن اندلاعها واستمرارها.
وتتمحور الاعتراضات داخل الحزب حول مخاوف من أن يقود هذا التحالف إلى إعادة توجيه القرار السياسي لحزب الأمة القومي بعيداً عن مؤسساته، وربط مواقفه الوطنية بأجندة تحالفات خارجية وداخلية تتجاوز التفويض التنظيمي.
وفي هذا السياق، تبدو الهيئة المركزية بمثابة محطة فاصلة لتحديد ما إذا كان الحزب سيمضي في مسار مؤسسي مستقل، أم سيظل رهينة التجاذبات التي تفرضها التحالفات السياسية ومراكز النفوذ المتنافسة.
تحالف الجنجويد
ولا يكتمل المشهد دون التوقف عند مواقف فضل الله برمة ناصر، التي أثارت جدلاً واسعاً داخل قطاعات من الحزب، على خلفية علاقاته وتحالفاته السياسية ومواقفه من الدولة السودانية، فقد ذهب إلى مناصرة المشروع الخارجي الذي يريد تدمير الدولة السودانية.
ويرى مراقبون أن التقارب مع القوى المرتبطة بمشروع «تأسيس» يضع حزب الأمة القومي أمام تناقض سياسي وأخلاقي، بالنظر إلى ما يمثله الحزب تاريخياً من رمزية وطنية، وإلى حجم الانتهاكات التي ارتكبتها مليشيا الدعم السريع بحق السودانيين.
ويذهب هذا الاتجاه إلى أن الحفاظ على وحدة الحزب لا يمكن أن يكون على حساب وحدة السودان، وأن أي مشروع سياسي لا يضع سيادة الدولة وسلامة المواطنين في مقدمة أولوياته يظل موضع مساءلة داخلية.
وفي المقابل، فإن حسم هذه الخلافات لا يمكن أن يتم عبر تبادل الاتهامات أو فرض المواقف، وإنما من خلال المؤسسات الدستورية التي تمنح العضوية حق التعبير والمحاسبة وتحديد المسار.
معركة الهوية واستعادة الإرث
ويستمد هذا الصراع أبعاده من التاريخ السياسي لحزب الأمة القومي، الذي ارتبطت مسيرته بقضايا الديمقراطية، واستقلال القرار الوطني، ووحدة السودان، ومقاومة الأنظمة الشمولية.
ومن هذا المنظور، فإن الأزمة الراهنة لا تتعلق فقط بمن يقود الحزب، بل بماهية المشروع السياسي الذي يمثله، ومدى قدرته على الحفاظ على هويته الوطنية في ظل حرب تهدد وحدة البلاد وتماسك مجتمعها.
وتأتي الدعوات إلى عقد الهيئة المركزية متزامنة مع تصاعد المطالب بإصلاح العمل الحزبي وتجديد القيادات وإفساح المجال أمام قواعد الحزب، بما يعيد الاعتبار للمؤسسات ويحد من هيمنة الأفراد والتحالفات الضيقة.
استحقاق
إن ترتيبات عقد الهيئة المركزية وفق دستور حزب الأمة القومي تفتح الباب أمام اختبار حقيقي لمدى الالتزام بالشرعية التنظيمية، وقدرة الحزب على تجاوز الانقسام واستعادة وحدته على أسس واضحة.
فالمؤسسة التي تستمد شرعيتها من الدستور والعضوية لا يمكن أن تكون مجرد أداة لتثبيت مواقف مسبقة، بل مساحة لحسم الخلافات وتحديد الخيارات السياسية بصورة ديمقراطية.
وبين رهانات التحالفات ومخاطر الانقسام، يبقى التحدي الأكبر أمام حزب الأمة القومي هو استعادة قراره من داخل مؤسساته، وصون تاريخه من التوظيف السياسي، وتأكيد أن وحدة الحزب لا تنفصل عن وحدة السودان.
فالهيئة المركزية، في هذه اللحظة، ليست مجرد استحقاق تنظيمي؛ إنها معركة على الشرعية والهوية، وعلى من يملك حق رسم مستقبل حزب ظل اسمه حاضراً في مفاصل التاريخ السوداني.
وأكد القيادي بالحزب مصطفى آدم أن ترتيبات انعقاد الهيئة المركزية لحزب الأمة القومي، وفقاً لدستور الحزب ولوائحه المنظمة، تمثل تمسكاً من المؤسسات بحقها الدستوري في ممارسة اختصاصاتها، وحسم القضايا التنظيمية والسياسية عبر الأطر الشرعية، بعيداً عن محاولات فرض الأمر الواقع أو الاستحواذ على القرار الحزبي.
وأضاف في حديث لـ«ألوان» أن هذه الخطوة تمثل استحقاقاً مؤسسياً يهدف إلى صون وحدة الحزب، وحماية تاريخه ومواقفه الوطنية من محاولات العبث أو التوظيف السياسي، ووضع حد لأي تحركات تسعى إلى تجاوز إرادة العضوية أو مصادرة حقها في اختيار قيادتها وتحديد مسارها.
كما تشكل الهيئة المركزية المرجعية الدستورية لحسم الخلافات، وتجديد الشرعية، والتأكيد على أن تاريخ الحزب ومؤسساته ليسا مجالاً للمساومات والتحالفات العابرة.
