الرسم بالعبرات..

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

الرسم بالعبرات..

 

السادة أعضاء المكاتب السياسية بالأحزاب السودانية… لأنكم دائمًا لا تكتبون عن عثراتكم وتاريخكم الحقيقي، فإن الأزمات تعاود دائمًا، ولكن بأثواب جديدة.
لماذا تصرون دائمًا على قصائد المديح في تاريخكم، والتأبين الخالي من النقد؟ ولماذا تسقطون عن أسفاركم وأوراقكم كل محاولات الاعتذار وتعرية المواقف، والجرح والتعديل في شأن المراحل والرجال، مع أن الشعب يحفظه المثالي عن ظهر قلب؟
وقد استوقفني اعتذار الأزهري لأحد مثقفي الحزب وشعرائه ومفاوضيه، وقد أخطأ الاختيار. وحينها دخل أحد القيادات المفروضة بالطائفية دون إذن، فالتفت نحوه السياسي المفوّه، الذي فاتته الفرصة التي يستحقها باسم “المعادلات” والتقسيمات والترضيات، ودون إذن استعار أبيات غنيم في حضرة الاحتفاء بمحمد أحمد برانق. ولم يعرفها الناس يومها هل هي هجاء صريح أم غمز جريح. وعلى أي حال، ليت الذين تولوا الأمر كانوا في قامة الباحث الفاضل محمد أحمد برانق، فقد قال غنيم في حقه نعم، وقالها الغاضب في حق الوزير المفروض والمرفوض:

لم تؤتَ شعرًا مثل شعر أبي العلاء أو الوليد
لكن رزقتَ مهارة الصهيون في جمع النقود
لم تغتنِ من ضيعة كبرى ومن بيت مشيد
لكن بيوتك لا تساوي شطر بيت من قصيدي
سبحان من قسم المواهب والحظوظ على العبيد
رجل يسود بعلمه وسواه بالحظ السعيد
فليت الأبيات تجد حظها من الاعتبار… والتشكيل الوزاري فيما تبقي وأن تبقي ما بعد الفاشر على الأبواب.

يا أيها المفاوض الوطني، قد تجد قبولًا من أهل المسغبة والسلاح ونصف القضية بالداخل، ولكنك لن تجد تعزية من أهل الخارج، أولئك الذين وجدوا سمعة ووطرًا وسعة في الرزق الحرام وليالي حمراء بأيدي ملوثة بيضاء ببلاد الفرنجة وعواصمها الباردات. هؤلاء لن يتوبوا إلا كتوبة المجنون، يحج ويذكر الله، ولكنه يشترط:

ذكرتك والحجيج له ضجيج
بمكة والقلوب لها وجيب
فقلنا ونحن في بلد حرام
به لله أخلصت القلوب
أتوب إليك يا رحمن مما
جنيت، فقد تكاثرت الذنوب
فأما عن هوى ليلى وتركي
زيارتها فإني لا أتوب!!
وليلي عند المجنون هي ليلي العامرية وليلي عندهم هي (ليلة الماهرية).

كان الراحل الشيخ عوض عمر الإمام صاحب علم وطرفة وأدب وتواصل شفيف مع الناس، خاصتهم وعامتهم. ومما كان يحفظه عنه الناس، غير التفسير وأخبار الرجال والسير والفقه، حبه للأدب. وكان يسمي أصدقائه من التجار (بأبناء الدنيا). وقد أصر على أهل العلم منهم أن يحفظوا حكمة المتنبي:

نحن بني الدنيا فما بالنا
نعاف مما لا بد من شربه
يموت راعي الضأن في جهله
ميتة جالينوس في طبّه
وربما زاد على عمره
وزاد في الأمن على سربه
فلا قضى حاجته طالب
فؤاده يخفق من رعبه
فغاية المفرط في سلمه
كغاية المفرط في حربه

كتبت يوماً لصديق صحافي وشاعر، أرجو ألا تكون جلسة مداواة عورات ضعاف الصحافيين، وأنت تعالج يوميًا عاهاتهم في التحرير، قد منعت عنك شلال القريض، وصار الرزق المهيض الجناح له العصمة للاعتلاء فوق القصائد الجياد، والرفيف بأجنحة المفردات الملائكيات. أرجو أن تكون إلى اليوم قادرًا على تلوين الحجارة للزهو، والتمترس بها عند المعركة القادمة لا محالة، وأنت تتجول (سيّدًا) وتقرأ المقاطع الصاخبات:

عندما لم يعد سيدي
خفت ألا يعود
كنت هيأت إبريق مائي
ورطبت تربته… ثم غطيته بالورود
ثم نمنا كعادتنا كل ليل
غفا وحده تحت أقواس التراب
ونمت وعيني على اسمه
فوق نقش الرخام
أنا حارس القبر وهو الشهيد
صحوت على هزة الزهر
إذا قام من قبره واختفى
وانتظرت كأني انتظرت ملاقاته طول عام
وعاد كآخر عهدي بأوصافه
قال: لم أحتمل صوت صمتي
فشاغلت موتي وقال:
عبرت حدود العمومة حدًا فحدًا وقال:
كشفت جروحي ورعشة روحي
أهز مناكبهم كي يكونوا وقال:
فلم يعرفوني ولم ينجدوني ولم يسمعوني
ونام
وهيأت إبريق مائي
ورطبت تربته
ثم غطيته بالورود
قلت نومته هذه آخر النوم
هذا ختام الختام
ولكنه عاد فاجأني من جديد
صحوت على هزة الزهر
شاهدته حين قام
يلم الحجارة في حجره
ومشى سيّدًا للأمام

“الى قادة الفكر والرأي في ديار الاسلام: رتبوا الاصدقاء على مراتبهم في الصداقة والطاقة، ورتبوا الاعداء على مراتبهم في العداء وفي الخطورة، ثم نظموا اللقاء مع الاصدقاء بروح الاسلام السمحة وبمنطق الوعي لحاجات المعركة، وركزوا الحرب على من يركز الحرب عليكم: دفاعاً لا ثأرا، وتصميماً هادفاً لا غضباً اهوج ، وتحكيما لموازين الاسلام في ذاتها مهما. اشتدت هيشات الاسواق ومهما استخف فرعون قومه فأطاعوه.”
جاء لقريتهم بعد غياب وكان ظاهر النعمة، فظنوا أنه سوف يشتري (عربة نصف نقل) أو ينصب طاحونة أو يفتتح بقالة لقرية تتوقع شارع الظلط المتجهم الملامح…
خذلهم أولًا بصمته، ثم بمشروعاته. أقام بستانًا ومزرعة نموذجية وغابة وحديقة للأطفال ونافورة شعبية، وحزم المسجد بالنخيل، فانخفضت درجة الحرارة، ورأى الأطفال لأول مرة الأزاهير ورزاز الماء من غير المطر. وحين رأت القرية الجمال وأنارها الخيال، نشطت وأنتجت وزكت وتصدقت، وانتقد تولي الأمر ببصيرة، ورفعت شعارات الكفاية والعدل، وأنشدت مع العارفين بالفصيح:

أنتم كرام وهو صبٌّ آمق
غادرته لجنابكم ملتاحا
يا ساكني نجد أما من رحمة
صبري عليكم والتجلد راحا
ما ضركم لو تسمحون بنظرة
لا سِير ألف لا يريد سراحا
هلا بعثتم للمشوق تحية
تهدي إليه مع النسيم صباحا
فهو الذي طويت إليكم روحه
في طي صافية الرياح رواحا
يحيى بها من كان يحسب هجركم
يردي الجسوم ويترك الأرواحا
ويظن نأيكمو إذا لذتم به
مزحًا ويعتقد المزاح مزاحا
يا عاذل المشتاق جهلًا بالذي
سواك دعني واترك الإلحاحا
فأنا الذي من يختبرني في الهوى
يلقى مليًّا لا بلغت نجاحا
أتعبت نفسك في نصيحة من يرى
ترك الهوى ذنبًا وليس مباحا
وعندما اقتحم الغزاة من عصابة دقلو المجرمة تلك القرية المزهرة، أحالوها إلى صحراء جرداء، وجردوها من الأشجار وشلالات الماء، فقد حنّت دواخلهم المجدبة إلى الصحراء البلقع، وأخرسوا الأصوات الندية، لأن الشعر عندهم جريمة، وهم كعهدهم لا يحبون الطيبات.
طلب مني محرر الأخبار أن أختار له عنوانًا يعبر عن مأساة الضفة وغزة، فقلت له: اكتب عني ولا تبالِ: “الرأي العام العالمي يفضح الإبادة الصهيونية الفاجرة، وشهداء غزة يعيدون القضية الفلسطينية إلى الذاكرة”.
أرسل لي أحد الإخوة الأطهار الحزانى من عاصمة الضباب هذه الرسالة، مذكّرًا بأن المنكر كما قال المصطفى ﷺ يُغيَّر باليد أو باللسان أو بالقلوب، وهذا الدعاء الذي أرسله لكم أملٌ في النشر، بعضُ بوح القلوب حين مات عند أهل السلطان الساعد وأُخرس اللسان: “حسبنا الله ونعم الوكيل، اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم”. ويضيف الرجل الصالح، راجيًا أن يرسل الجميع هذه الرسالة لتصل إلى ملايين المسلمين، خاصة وأن العدو الصهيوني يشحذ عشرات الآلاف من جنوده الأشرار الحاقدين لتدمير أمة الإسلام ودكّ غزة العزة بكاملها، لكن هيهات. (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ).