إثيوبيا .. تآمر مستمر مع المليشيا ضد الشعب السوداني

إثيوبيا .. تآمر مستمر مع المليشيا ضد الشعب السوداني

تقرير: مجدي العجب

في خضم واحدة من أكثر اللحظات الإقليمية اضطرابًا في تاريخ القرن الإفريقي الحديث، تتكاثر الأسئلة الثقيلة، وتتعاظم علامات الاستفهام حول أدوار بعض الأطراف الإقليمية في إذكاء نيران الحرب داخل السودان، بدل المساهمة في إطفائها أو على الأقل تحييدها. وفي مقدمة هذه الأسئلة والاستفهامات، تتصدر المعلومات المتداولة إعلاميًا وسياسيًا التي تؤكد أن أراضي دولة إثيوبيا فُتحت، وتم استخدامها بشكل مباشر عبر تسهيلات غير معلنة كمسارات دعم لوجستي أو عملياتي تخدم تحركات قوات مليشيا الدعم السريع التي تشن حربًا ضد الجيش والشعب السوداني، بما في ذلك هجمات نُفذت باستخدام الطائرات المسيّرة داخل العمق السوداني. هذه المعلومات، وإن ظلت حتى الآن محل نكران من إثيوبيا، لكنها تجاوزت إطار الاتهامات حتى وصلت مرحلة التأكيد. فمحاولة التضليل الإثيوبي بأنها معلومات غير مثبتة بتقارير تحقيق دولية مستقلة، إلا أنها تفتح جرحًا سياسيًا وأمنيًا بالغ الحساسية، وتضع العلاقات بين الخرطوم وأديس أبابا أمام اختبار جديد أكثر قسوة وتعقيدًا. فالقضية هنا لا تتعلق فقط بتبادل الاتهامات، بل بحدود السيادة الوطنية، وبالمسؤولية الأخلاقية والقانونية للدول في منع تحول أراضيها إلى منصات خلفية لحروب بالوكالة تأكل الأخضر واليابس في الإقليم.

 

 

 

وما يزيد المشهد قتامة هو أن هذه الاتهامات تأتي في سياق إقليمي متوتر أصلًا، تتداخل فيه المصالح العسكرية والأمنية، وتتشابك فيه خطوط الدعم والتأثير بشكل يجعل من تتبع الحقائق مهمة شديدة التعقيد. ومع ذلك، فإن خطورة ما يُطرح لا تكمن فقط في صحته أو نفيه، بل في دلالاته السياسية العميقة: فهل أصبح القرن الإفريقي ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات عبر الحدود؟ وهل باتت سيادة الدول قابلة للاختراق تحت ضغط التحالفات الخفية وصراعات النفوذ؟
إن استمرار مثل هذه الاعتداءات يضع إثيوبيا في خانة العدو البائن بينونة كبرى، وهي تقوم بعمل تآمري يهدد بتآكل ما تبقى من الثقة بين دول الجوار، ويدفع المنطقة نحو مزيد من الاستقطاب الحاد، حيث تتحول الجغرافيا إلى ساحة اشتباك، وتتحول الحدود إلى خطوط نار غير معلنة. وفي ظل هذا الواقع، يصبح الصمت الرسمي أو الغموض السياسي وقودًا إضافيًا لأسئلة أكبر من أن تُترك بلا إجابة.
وفي نهاية المطاف، تبقى الحقيقة أيًا كانت مطالبة بأن تخرج إثيوبيا من التدخل في الشأن السوداني، وأن لا تستمر في غيّها ضد السودان.

 

عدوان بائن

 

ويقول الأكاديمي والمحلل السياسي دكتور محمد تورشين إن ما يُتداول لم يكن اتهامات بشأن أدوار إقليمية في تغذية الحرب داخل السودان، ولم يعد يمكن التعامل معه كمجرد “ضجيج إعلامي” أو تراشق سياسي عابر، بل بات، بحسب تعبيره، مؤشرًا خطيرًا على انهيار منظومة الضبط الإقليمي في القرن الإفريقي، وتحول بعض الدول إلى ساحات تمكين غير مباشر لصراعات مدمرة.
ويضيف في تصريح لـ(ألوان) أن استمرار ما يُوصف بـ“الغموض المريب” حول استخدام أراضي بعض الدول، ومنها إثيوبيا، كمسارات محتملة للدعم اللوجستي أو العملياتي في حرب السودان، يضع المنطقة أمام سؤال أخلاقي وسياسي بالغ الحساسية: أين تقف حدود السيادة حين تتحول الجغرافيا إلى منصة اشتباك بالوكالة؟. ويؤكد أن خطورة هذه المرحلة لا تكمن فقط في طبيعة الحرب داخل السودان، بل في تمددها الإقليمي الصامت، حيث تختلط المصالح الأمنية بالحسابات السياسية، وتُدار الملفات عبر “الظل” بدل العلن، ما يهدد بتفكيك ما تبقى من الثقة بين دول الجوار.
وختم حديثه لنا قائلًا: إن استمرار تجاهل تحذيرات السودان يضع إثيوبيا في موقف العدو الذي يسعى لزعزعة الأمن والسلم الدوليين، وتُصنّف ممارساته عدوانًا ضد السودان.

 

إثيوبيا كتف الجنجويد

 

فيما يرى الأكاديمي والمحلل السياسي د. محي الدين محمد محي الدين أن المشهد الإقليمي في القرن الإفريقي بات يعيش حالة “اختلال خطير في توازنات الأمن الجماعي”، حيث لم تعد الحروب داخل السودان محصورة في نطاقها الداخلي، بل تحولت، وفق توصيفه، إلى ساحة مفتوحة لتداخل الإرادات الإقليمية والدولية بصورة غير مسبوقة. ويشير في حديث لـ(ألوان) إلى أن استمرار تدخل أديس أبابا في الحرب في السودان بدعم مليشيا الجنجويد التي تزعزع السودان أمر سوف تدفع ثمنه لاحقًا. وقال إن إثيوبيا تقوم بأدوار أو تسهيلات لوجستية من بعض الأطراف الإقليمية، بما يعكس حجم الانفلات الذي يهدد بنية العلاقات بين دول الجوار، ويطرح تساؤلات عميقة حول مدى التزام الدول بمبدأ عدم استخدام أراضيها في أي شكل من أشكال دعم النزاعات العابرة للحدود.
ويذهب د. محي الدين في حديثه إلى أن أخطر ما في المشهد ليس فقط الحرب نفسها داخل السودان، بل “تدويلها الصامت”، واستخدام أبوظبي لبعض الدول، من ضمنها إثيوبيا، حيث تُدار بعض جوانب الصراع عبر شبكات مصالح معقدة، ما يجعل من الصعب الفصل بين الفاعل المحلي والداعم الخارجي، ويزيد من احتمالات اتساع رقعة التوتر الإقليمي.

 

الاحتمالات المفتوحة

 

إذًا، في ختام هذا المشهد المتشابك، يبقى واضحًا أن المنطقة تقف على حافة اختبار بالغ الخطورة، حيث لم تعد تداعيات الحرب في السودان شأنًا داخليًا محضًا، بل قضية إقليمية مفتوحة على كل الاحتمالات، المؤكد فيها الزحف نحو كل من دعم مليشيا الجنجويد.