آسيا عبد الماجد .. مواهب متعددة

آسيا عبد الماجد .. مواهب متعددة

بقلم: صلاح الدين عبد الحفيظ

ربما تكون الرائدة النسائية آسيا عبد الماجد إحدى الشخصيات التي، لولا اقتحامها عالم الفن المسرحي، لأصبحت المرأة السودانية بعيدة جداً عن العمل بالمسرح السوداني، وهي واحدة من أبرز رائدات الفن المسرحي في السودان، وصاحبة السبق في كسر الحواجز الاجتماعية لتكون أول ممثلة سودانية تقف على خشبة المسرح، فاتحةً الطريق للمرأة السودانية للظهور أمام الجمهور.
وُلدت عام 1943م باسم آسيا التوم الطاهر الكتيابي في حي العمدة بمدينة أم درمان، وسط أسرة عريقة. وبعد انفصال والديها، تولى تربيتها قريبها عبد الماجد، الذي أصبح بمثابة والدها الثاني، فحملت اسمه تقديراً له بعد ذلك.
تلقت تعليمها في مدرسة عبد المنعم الأولية ثم مدرسة كرري الوسطى، وهناك بزغ نجمها المسرحي مبكراً، حيث انضمت إلى جمعية التمثيل تحت إشراف الأستاذة بثينة خالد.
وفي تلك المرحلة كتبت وأخرجت أولى مسرحياتها “دهشورة”، التي عالجت قضايا اجتماعية مهمة، خاصة نبذ العادات الضارة. عملت معلمة بالمدارس الأولية والمتوسطة.
لاحقاً حصلت على درجة الماجستير من معهد الخرطوم الدولي لتعليم اللغة العربية والدراسات اللغوية، لم يقف طموحها على البقاء في السودان، فغادرت إلى مصر والتحقت بأكاديمية الفنون عام 1967، وتخرجت في العام 1972، وتخرجت الأولى على دفعتها التي ضمت نجوماً كباراً: أحمد زكي، شهيرة، عفاف شعيب، أحمد ماهر، سميرة محسن.
وخلال إقامتها بالقاهرة، شاركت في مسرحية “البكاشين” مع الفنان فريد شوقي على مسرح الخيام.
تعرّفت على الشاعر الكبير محمد مفتاح الفيتوري في حفل تخرجها، حيث كتب عنها مقالاً بعنوان “مواهب متفتحة”، مشيداً بموهبتها. توطدت العلاقة بينهما وتزوجا، وأنجبا: تاج الدين.
داخل إذاعة أم درمان شاركت في العديد من البرامج الإذاعية:
برنامج المرأة.
برنامج مع المستمعين.
برنامج الأسرة الجميلة.
برنامج مسرح المجتمع مع حمدي بولاد.
شكّل العام 1965م فتحاً جديداً لحركة المسرح السوداني حين شاركت في مسرحية “بامسيكا” بدور زاد الخلا، والتي عُرضت على المسرح القومي بمناسبة الذكرى الأولى لثورة أكتوبر 1964.
وقد شكّل هذا العمل لحظة تاريخية، إذ أصبحت أول ممثلة سودانية تصعد خشبة المسرح القومي وسط دهشة المتلقين للفن المسرحي، وهو ما كان فتحاً للمرأة السودانية بولوج عالم الفن المسرحي كممثلة، بعد أن زالت دهشة الناس لوجود ممثلة من العنصر النسائي وسط الرجال، فقديماً كانت أدوار المرأة يقوم بها الرجال فقط لتقاليد المجتمع السوداني التي كانت ترفض وجود المرأة وسط الرجال.
تظل المسرحيات التي قامت بالتمثيل فيها: المك نمر – خراب سوبا – سنار المحروسة – أكل عيش – إبليس.
أسست أول فرقة للفنون الشعبية في السودان، فتم استيعابها في وزارة الثقافة والإعلام.
عملت في وزارة الثقافة والإعلام، لكنها فُصلت لأسباب سياسية بسبب مواقف زوجها الفيتوري من حكومة مايو، مما يعكس ثباتها على مواقفها.
اهتمت الرائدة النسائية آسيا عبد الماجد بقضايا الطفل السوداني، فكانت من أوائل المعلمات اللائي افتتحن روضة أطفال على نسق حديث، جعلها من رائدات تعليم الأطفال في السودان، وهو ما جعلها في العام 1979، في عام الطفل الذي أقرته الأمم المتحدة، يتم تكريمها من منظمة رعاية الطفولة البريطانية.
إن سيرة آسيا عبد الماجد ليست مجرد تجربة فنية، بل هي حكاية ريادة وشجاعة وتغيير مجتمعي، جسّدت فيها دور المرأة السودانية في اقتحام مجالات الإبداع والتعليم، لتظل رمزاً مضيئاً في ذاكرة المسرح السوداني ووجدان الأمة.
للحرب الكارثية آثار كثيرة، منها الموت الذي ضرب أوساط المبدعين السودانيين، فكانت إحدى أولئك الذين رحلوا بتلك الطريقة المأساوية حين انفجرت دانة متفجرة داخل منزلها، فغادرت الدنيا عن عمر ناهز الثمانين عاماً إثر القصف الذي طال منزلها في مدينة بحري في 3 مايو 2023، خلال ظروف قاسية فرضتها الحرب.
رحلت آسيا كما عاشت، ثابتةً في أرضها، منتميةً لوطنها، تاركةً خلفها إرثاً فنياً وتربوياً خالداً، ويكفي أنها ستظل شهاباً بايناً في حركة المسرح السوداني.