إسحق أحمد فضل الله يكتب: (مدفع الكلمات)

مع إسحق

إسحق أحمد فضل الله

(مدفع الكلمات)

 

قال أحمد شوقي:
ما كان في ماضي الزمان محرّمًا
للناس في هذا الزمان مباحُ
صاغوا نعوت فضائل لعيوبهم
فتعذّر التمييز والإصلاحُ
فالفتك فن، والخداع سياسة
وغنى اللصوص براعة ونجاحُ
والعري ظرف، والفساد تمدّن
والكذب لطف، والرياء صلاحُ
والأبيات، ما يطربك فيها ليس هو براعتها… ما يطربك هو أنها قالت بالضبط ما ظل يفور في صدرك من الأحاسيس، وأنت تفشل في إخراجه.
…….
وبارع آخر يصور، وهو غابرييل غارسيا ماركيز.
وماركيز، في الصفحة الأولى من روايته مائة عام من العزلة، يصف ضابط انقلاب أمام كتيبة الإعدام، ويصفه بأنه قام بسبعة وثلاثين انقلابًا فشلت كلها… وفيها قُتل أولاده كلهم. والمدينة التي ظلت تصدر الموز شاخت من الجنون الفاشل المتكرر، الجنون للسلطة. والميناء توقف، والمتاجر توقفت، والناس جلوس على جانب الطريق ينتظرون المنقذ… ينتظرونه منذ ستين سنة.
ومنقذ جاء، ولكن من يصنع الخراب يقودهم لقتله، ويقتلونه، ويجلسون على جانب الطريق ينتظرون المنقذ.
…. ماركيز كأنه يصف السودان، وانقلاباته، وبمثل إصرار صاحب الانقلابات الثلاثين… وكأنه يصف البشير، وكأنه يصف الاعتصام، وكأنه يصف الإمارات والدعم و…
(3)
والمعرفة… زمانها انتهى.
ومن يكتب عن أن أمريكا الآن تقابل هزيمتها الكبرى… هزيمة الدولار، والمحلل ينقل الشواهد ببساطة.
والرجل يقول:
أمريكا تعيش على لحوم الناس.
وأمريكا تنمو لأنها في الحرب لم تتلقَّ إلا ضربة واحدة، وأنها التهمت لحوم حلفائها.
والتاريخ هذا، تاريخ إفلاس أمريكا التي تنقذها الحرب… وأكل الآخرين، يسجله فيلم بديع اسمه They Shoot Horses, Don’t They?.
والفيلم، روايته حقيقية… ففي الثلاثينيات تسقط أمريكا في الإفلاس التام.
وجهة تعلن عن مسابقة في الرقص، الفائز فيها هو الثنائي الذي يظل واقفًا على أقدامه بعد سقوط الآخرين.
وفي الفيلم مشهد المتسابقين، الآلاف… والرقص يمضي ليوم، وليل، والتعب، والتساقط… ويبقى عدد قليل لم يسقط.
وبطلة الفيلم لها زميل في الرقص… والمشاهد مؤلمة غاية الألم. والفتاة حين تصل غاية التعب، ولابد من البقاء وقوفًا، تتعلق بصاحبها. والمشهد يجعل البقاء حيًا هو الجائزة ذاتها…
والمشهد يجعلك تنتبه لما عندك وأنت غافل عنه.
وفي المشهد، الشاب يسقط، وعندها الفتاة تطلق النار عليه وتقول للشرطة:
الناس يقتلون الخيول التي تسقط… أليس كذلك؟
وأمريكا الآن تكاد تقترب من هذا المشهد.
لهذا أمريكا الآن عقلها وشرايينها هو Donald Trump.
……
(3)
يبقى مما يهمني ويهمك أن المعرفة، ما لم تصنع شيئًا هنا، فلا قيمة لها.
الآن… الدين والدنيا، أشياء لا بقاء لها دون القوة.