الطبعة الثانية من طبقات ود ضيف الله

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

الطبعة الثانية من طبقات ود ضيف الله

تحكي مجالس القرية أن الأب، حين كان صبيًا بالخلوة، قرأ على شيخه وآخرين القرآن والفقه والسيرة والشعر وفقه اللغة والإنسان.
وقال لأهل القرية، بعد أن استوى علمًا وتجاريب:
(سأبقى، وقد أقرّه أحد الأثرياء ليقوم على أمر مسجده في المدينة، وسط ترحيب كبير من أهل القرية للعرض المغري دينًا ودنيا، لكن فاجأهم الرجل العالم الصالح بقوله: ولا تظنوا أن طلاوة اللسان وطلاقة الجنان سوف تمنعني عن حقلي ورزقي الحلال بينكم.. والله لن أبيع علمي أو حجتي أو أهلي لصالح سلطان أو حزب أو جماعة).
وحين سافر كل الناس لأغراضهم، مشغولين بسبل كسب العيش في المدن القريبة والبعيدة، بقي هو راكزًا كشجرة السيال الزاهدة في القرية، يعلّم الصبيان القرآن والحديث والفقه، وظل يرعى حقله في جدٍ ونشاط وحب. قال الشاهد: إن حقل الرجل الصالح قد استعصى على المناخات، فهو لا يبور ولا يموت له ثمر أو نبات، وقد أقسم ألا يبيع لأهل قريته والقرى المجاورة من مزرعته شيئًا مما ينتج، فكان يمدّهم بكل ما يطلبون برضاء نفس وبأقل مقابل، رزقًا من الله.
والنساء السودانيات مشهورات بالحكي، ولو كُنَّ يوثقن لأنفسهن، لكنّ شكسبير ونجيب محفوظ والطيب صالح. ومما تحكيه نسوة القرية أنه عندما مرض الشيخ زارت النساء والرجال داره، وكان ميقات الزيارة وقت الغداء. فأقسم عليهم أن يأكلوا جميعًا بداره، فتعجبوا من الدعوة الملحّة وهم يعرفون خواء بيته من زاد يكفي الزائرين وهم كثر، لكنهم استجابوا لقوة إيمانه. ومن قدر الثريد والمرق ظلت زوجته تطعم الناس، وهم يأكلون ويستزيدون من الطعام الشهي المبارك، وكلما نظروا إلى القدر وجدوه ممتلئًا لم ينقص شيئًا! ومنذ ذلك اليوم سُمّيت العائلة بـ”المبروكة”.
وقد سلك الأبناء ذات الطريق من الطهر والنقاء والبذل وحب الآخرين. وحين انتبهت القرية للنعمة التي هي فيها وبدأت في تسويقها على الجيران من القرى، انتبه الغرباء للبنات الصالحات فتزوجن من شباب تلك القرى، وتزوج الأبناء واحدًا تلو الآخر.
ورحلت الأم الصالحة إلى دار البقاء، وظل الشيخ وحيدًا رافضًا الانتقال لكنف بناته أو أولاده، باقيًا على عهده للمرأة الصالحة. وكان يرد على طلابه الذين كثيرًا ما يغْرونه بالزوجة البديلة فيقول مبتسمًا بنظرة فيها الكثير من العمق والإيمان والوفاء:
(والله لو استطعت لطلقت نفسي كما كان يقول ابن دينار حين توفيت زوجته).
ظل يرعى نفسه وأطفاله، يغسل ملابسه، ويصنع طعامه، ويزرع حقله، ويصلي بالناس. وكان أهل القرية يلحظون تجليات ووضاءة خاطفة كلما جاء ذكر المصطفى صل الله عليه وسلم، وكان كثيرًا ما يبكي حتى يبكي معه الناس. وقد أغمي عليه يومًا في صلاة العشاء حتى صلاة الصبح، حين حكى لهم أذى الكافرين لسيد الخلق بالطائف. وبعد صلاة الفجر في ذلك اليوم المهيب، اختفى الشيخ الصالح ولم يره أحد، ولم يودّع أحدًا. لكنه ترك وصية لابنه الأكبر أباح فيها حقله لمجموعة من الأيتام والأرامل، وبيته للحاج صالح الغريب مؤذن المسجد.
ومنذ عشرين عامًا لم يره أحد ولم يسمع به أحد. وظلت قرية “المبروكة” تردد الحكايات المحزنة والمفرحة عن اختفاء الشيخ. بحث عنه أبناؤه في كل الأصقاع فلم يجدوا له أثرًا. قال الشاهد إن ابنه الأكبر، الطبيب الشهير بالحجاز، لمح يومًا شيخًا سودانيًا كهلاً في الروضة الشريفة يخدم الناس، فيه ملمح من أبيه. أمسك به وصافحه وبكى على كتفه طويلاً، وذكّره بأبيه الذي اختفى منذ زمن، فأنكره الشيخ ومضى في سبيله. وعندما قابله مرة أخرى، قال له: (يا بني، ليس بيننا وشيجة دنيا، فقد صرتُ طوعًا عبدًا لهذا المقام، لكني لا أمانع أن تؤاخيني في الله). وحين لم يجد عليه حجة، كان كلما أتى الحرم تأمله طويلاً وبكى طويلًا، وظل في قلبه شيء من حتى.
وما بين حكايات مبروك ومبروكة، والأسرة الكريمة التي تفرقت بركة بين المدن والأصقاع والأرياف، وحكاية الكهل العابد بالحجاز، ظل أهل القرية ينسجون الحكايات والأقاصيص، ويمدون للخيال مداه. ومن يومها أصبح لأبناء القرية وبناتها خيال شفيف، ومن بينهم خرج الكثير من الشعراء والكتّاب والصحفيين. إلا أنهم، فوق ذلك، تميزوا بميزة غريبة: تلك النظرة المسافرة المهاجرة، مع أنفسهم أو مع الناس؛ صوب من؟ لست أدري!
فهل هي يا ترى مع العارف المهاجر إلى حيث لا حيث، وعند لا عند؟
أم مع أبنائه النجباء؟
أم مع بناته الرماح؟
لست أدري…!!
عزيزي القارئ، ترى هل ما زال في الخيال الشعبي بقية من حكايات الصالحين والغرباء والدراويش ما يكفي لإصدار الجزء الثاني من طبقات ود ضيف الله؟.