
إسحق أحمد فضل الله يكتب: (الأنس مع الحنظل)
مع إسحق
إسحق أحمد فضل الله
(الأنس مع الحنظل)
ركام الحديث يصبح له مذاق ركام الجثث السبعين في صلاة الفجر في الفاشر.
ومن يُفتي في إسلام وكفر الدعامة هو الحادثة هذه وأمثالها، الألف.
لكن من يُفتي في خروج السودان من تيه بني إسرائيل هو الإجابة على السؤال الذي يلطم الناس بأن:
(فصاحة اليدين أعجزت فصاحة اللسان، وأنت ما تزال يا سحبان مجلجلاً برائع البيان).
(٢)
بعد الحرب وهزيمة اليابان، الناس فوجئوا بالإمبراطور، الذي هو الإله المعبود عندهم، يمشي بين الناس.
أمريكا جعلته يفعل ذلك لهدم صورته عند الناس.
في بولندا كان الضابط الألماني، قبل الهزيمة، يدخل فصلاً مدرسياً، واحداً من ألف ضابط كانوا في الساعة ذاتها يدخلون ألف فصل في المدارس… وكان هناك مع التلاميذ كل شخصيات المجتمع البارزة، في ملابس المناسبات، والجميع جاءوا ليشهدوا آخر حصة للغة البولندية في المدارس قبل أن تصبح اللغة الألمانية هي السيد.
:: كل شيء كان… من يملك القوة يبدله.
وفي السودان كان تبديل الثقافة يتم بصورة مضحكة…
كان البعثي والشيوعي (المستجد) كلاهما يطلق دعوى السودانوية والعودة إلى الجذور. لأن ما صنع آباؤنا هو الأعظم… وهكذا.
وللعودة إلى الجذور كانت كتابات الشيوعيين تغرف من قاموس التكل والزريبة. وكانت الكلمات التي تزحم الكتابات هي: الفِرْكة، القَرْقريبة، الدوكة، الدلكة، الدلوكة، السروال، المركوب، الشلوخ، المسوح، الطرقة، الرِّق، الرحط و…
لكن… حتى على الخراب لا نخلو من الحسد. فالكتابات هناك، مع أنها تغترف من الشعبية، كانت تخلو من كلمات مثل: اللوح، الشرافة، الختمة، الخلوة… وكل ما يمكن أن يشير إلى القرآن والإسلام.
الهدم كان في كل مكان. لكن…
أيامها كانت تفوح رائحة طرح فكر جديد في الغرب… في السينما، لأنها الغلاف الحلو الذي تُغلَّف به الأفكار الحنظلية. وكان الجدل عن حرية المرأة… والتحرر من الزواج… والأسرة… وأن الأولاد عبء يمنع الانطلاق.
يومها كان فيلم (ربيع مسز إستون).
ومسز إستون هي نموذج للمرأة الجديدة: امرأة عاملة، ليست مسجونة في البيت تحت سلطان “سي السيد” في الغرب. وهي مديرة مؤسسة، وهي ثرية… وهي تهبط من عربتها الفخمة إلى مكتبها الفخم، ثم في نهاية اليوم تهبط من عربتها الفخمة وتدخل بيتها الفخم…
والكاميرا هناك تقدم الخنجر اللامع الذي ينغرس في كبد المشروع كله، مشروع تحرر المرأة.
الكاميرا عند دخول مسز إستون إلى قاعة بيتها تكشف المشهد من أعلى. والمشهد هو: مسز إستون في الصالة الواسعة، الفخمة، الصامتة… لا أحد. لا ولد. لا زوج. لا أم. لا أب. لا قريب. لا حبيب. لا أسرة.
اللقطة تقول إن الفلسفة التحررية خاتمتها هي هذا المشهد.
يبقى أنه، وطوال نصف الفيلم، كان هناك صعلوك يتبع مسز إستون من على البعد، وعيونه عليها: عيون رجل على أنثى، وهي تتجاهله.
في نهاية الأمر، مسز إستون، ومن نافذة غرفتها المذهبة في الطابق الثالث، تنظر إلى الصعلوك الذي يربض في الشارع، ثم ترمي إليه بالمفتاح…
لا الفِرْكريبة إذن تعني شيئاً يَحيا الناس له. ولا الجاغوار. ولا…
وكل شيء في الحياة يعود إلى أصله مثلما يعود الحجر المقذوف إلى الأرض.