
إسحق أحمد فضل الله يكتب: (الأنس مع أهل الهموم)
مع إسحق
إسحق أحمد فضل الله
(الأنس مع أهل الهموم)
قال لنا عشاى أستاذ:
في مكة، الزنج يلعبون في يوم عيد في العهد العباسي، وحكيم ينظر إليهم، وإلى يهود بينهم، ثم يقول لمن حوله: “ويل لكم من يوم يأكل فيه هؤلاء طعام اليهود”.
وقليلاً… وجاءت ثورة الزنج.
والثورات في التاريخ لا عقل لها (وليبحث من شاء عن ثورة لها عقل).
والتاريخ هو حادثة تتكرر.
…..
وقال لنا بشارة:
ديورانت يقول في تاريخه الواسع: إن الجوع هو صانع كل ثورة.
والجوع لا عقل له.
وأقوى من الجوع وثورته… الجنس وثورته.
(في الغرب في الستينات، سموا انطلاقة الجنس… ثورة).
قال بشارة:
والغريزة لا تعرف اعتذار من يعتذر عن الزواج بحجة البطالة.
جوع الغريزة هو الصانع الأول للجريمة.
والجنس هو القائد الأول للعالم في التاريخ كله.
والآن البطالة تتمدد وتصنع خطوات الجريمة.
وارتفاع وسقوط الحضارات… جنس.
السينما، احذف الجنس منها فلا يبقى شيء… الحكاية جنس.
الأغنيات… جنس.
الإعلانات… جنس.
الملابس… جنس.
الفنون… النكات… ال… ال… جنس.
وأبخرة جنس… ورائحة جنس… والحواس الخمسة… جنس.
والإعلام يا أستاذ، الإعلام الذي يجمع المجتمع في كيس فوق ظهره… جنس.
والإسلام… أستاذ، لا يستخدم السلاح هذا في حربه.
والحرب هذه الآن… حرب الإعلام. هي ربع… هي نصف… هي كل شيء.
فماذا أنت فاعل؟
…….
وإسحق يقول لإسحق:
اجمع ملايين الناس… كل أنواع الناس: الجاهل، المتعلم، الكبير، الصغير، الطالب، العاقل، المختل، التاجر، الصارخ، الضاحك… ال…
اجمعهم في غرفة، واجعلهم يتحدثون كلهم في لحظة واحدة.
… والمخرج حسين، والكاتب يوسف إدريس، فعلا ذلك.
وحسين في فيلم البوسطجي يمشي بالأمر خطوة.
ويوسف إدريس يجعل البوسطجي، الذي كان ينقل الخطابات إلى الناس، يرقد في بيته ويفتح كل الخطابات.
وحسين المخرج يجعل الخطابات التي تتحدث بكل لسان وعقل وجنون تتحدث فعلاً، وكأنها ألف جهاز راديو تتحدث في غرفة واحدة.
الإعلام الآن يا بشارة صورته هي هذه.
لكن… الإسلاميون، وبأسلوب الدعوة أول أيامها، كانوا يلقون مشهد الإعلام هذا… المجنون، الصاخب، المتصلب… كانوا يلقونه بالانفراد بواحد بعيداً عن غرفة الإذاعات الألف، ويحدثونه… ثم آخر… ثم أخرى.
ونجحوا.
والإنقاذ يوم جاءت إلى البلد كان السودان لا نقول (يترنح)، بل نقول (يتترتح) سكراً وجوعاً وفقراً.
والإنقاذ تبدأ بقسمة… نكرر: قسمة… ما هو موجود.
ومفاجأة… فالبنزين الذي يقتتل الناس حوله ويختفي ويختفي… التقسيم يفاجئ الناس بأنه موجود، وأنه يكفي… والسكر… وكل شيء.
إعادة بناء السودان، الطوبة الأولى فيها هي الأسلوب هذا:
أسلوب الإعلام، وأسلوب البناء.