
عبد الرحمن الريح .. هات لينا صباح
عبد الرحمن الريح .. هات لينا صباح
بقلم: أمير أحمد حمد
يخجل البدر ويخمد المصباح
يا ليل هات لينا صباح
انحنا كل صباح نبني في الآمال ما وجدنا رباح
سرنا المكتوم بالدموع انباح
والسهاد أصبح لينا أمره مباح
القلوب ترتاح للكمال التام في الكمال نرتاح
أصلو زول لكن صورو الفتاح
من سلاف الروح محنة للملتاح
الجمال شراح للصدور لكن للقلوب جراح
قالوا أهل الحب في الزمان الراح
نشوة الأشواق أحلى من الراح
النسيم لو فاح يمتزج بزلال دمعنا السفاح
كم عشوق مهجور مضى بالإفصاح
عينو في الورد وروحو في التفاح
يا هوى الأرواح أنت للعشاق كالشذى الفواح
عطر الدنيا واملأ الأسواح
يزهو بيك الكون في غدو ورواح
من جميل الأغنيات التي كتبها الشاعر والملحن عبد الرحمن الريح أحمد الفكي في أربعينيات القرن الماضي، حيث كان ميلادها أول من تغنى بها الفنان إبراهيم عبد الجليل عصفور السودان كما أسمته كوكب الشرق أم كلثوم، ولكنه لم يقم بتسجيلها، وعرفها الناس عبر حنجرة البلدوزر عبد العزيز محمد داود، وقد أبدع في توصيلها إلى وجدان المستمع السوداني بدرجة عالية من التطريب، وهي من أوائل الأغنيات التي كتبها ود الريح بريشة العود لا باليراع، باعتبارها أول أغنياته التي لحنها بالعود الذي تعلمه في وقت مبكر لقراءته الجيدة لمستقبل العود في مسيرة الأغنية السودانية، وقد كان حيث ظهرت فترة الوتريات بعد ذلك وكان ود الريح ملكها المتوج، وحينما استمع شاعر الحقيبة عبيد عبد الرحمن لكلمات هذه الأغنية نالت إعجابه للدرجة التي جعلته يخبر بها عراب الأغنية السودانية إبراهيم العبادي عندما التقاه في قهوة يوسف الفكي وهو يلعب في (الضمنة)، فقال له (الليلة ما سمعت ود صاحبك الريح أحمد الفكي قال شنو)؟، فالتفت إليه العبادي ويده على الضمنة (قال شنو ود أخوي)؟، فقرأ عليه عبيد كلمات الأغنية، وعندما وصل للبيت الذي يقول فيه:
قالوا أهل الحب في الزمان الراح
نشوة الأشواق أحلى من الراح
فما كان من العبادي إلا وأن (جاط) الضمنة التي بين يديه، ومخاطباً عبيد (والله يا عبيد ود أخوي ده بعد عشرة سنة يجوط ليك غناكم ده كلو زي جوطتي للضمنة دي). وصدق عراب الأغنية السودانية العبادي في مقولته، فتبوأ ود الريح مكاناً علياً في ربى الكلمة والألحان، وفي هذه الأغنية استطاع ود الريح أن يأتي بقافية مريحة للأذن وهي الحاء في تناغم عجيب مع الألفاظ المجاورة لها، وكذلك استطاع استخدام المحسنات البديعية بصورة سلسة منسابة تناسبت مع القافية، ويظهر ذلك جلياً عندما أورد بيته الذي قال فيه:
قالوا أهل الحب في الزمان الراح
نشوة الحب أحلى من الراح
وفي هذا البيت جناس تام كما يقول أهل البلاغة في كلمة (الراح)، والتي وردت في البيت بمعنيين مختلفين، الأولى تعني (الماضي)، والثانية تعني (الخمر)، وهذا يسمى كما ذكرت بالجناس، وكذلك استخدم أسلوب الطباق في كلمتي غدو ورواح، وفي البيت الذي يقول فيه:
يا هوى الأرواح أنت للعشاق كالشذى الفواح
عطر الدنيا واملأ الأسواح
يزهو بيك الكون في غدو ورواح
حيث طابق بين الكلمتين، والطباق هو أن تأتي بالكلمة وضدها في تناسق بليغ. هكذا عبد الرحمن الريح دوماً يحلق بنا في فضاء متسع من الخيال الواقعي الملموس، فهو شاعر الروح والجمال، حيث تسيدت تلك المفردتين (الروح والجمال) صدور وأعجاز شعره أكثر من مئة مرة، وأيضاً من جميل أبيات هذه الأغنية:
كم عشوق مهجور مضني بالإفصاح
عينو في الورد وروحو في التفاح.