
سجن «دقريس» بنيالا .. غوانتانامو السودان
سجن «دقريس» بنيالا .. غوانتانامو السودان
تقرير: الهضيبي يس
يُعدّ سجن «دقريس»، الواقع شمال شرقي مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور في السودان، من أخطر المواقع التي تُمارَس فيها انتهاكات قوات الدعم السريع بحق المدنيين، إذ يضمّ أكثر من عشرة آلاف سجين يتعرضون لأنماط متعددة من التعذيب الممنهج، تصل في كثير من الأحيان إلى حدّ الموت بشكل يومي. ويحاط السجن بعدد كبير من عناصر الدعم السريع الذين يتولون حراسة الزنازين التي يقبع فيها تجّار، ومهندسون، وسياسيون، وجنرالات سابقون في الجيش، إضافة إلى صحفيين. ووفقًا لمعلومات وردت في تقارير لمنظمات دولية، فإن الأوضاع الصحية والنفسية داخل السجن بالغة القسوة، لا سيما مع الاكتفاء بوجبة واحدة يوميًا لا تكاد تسدّ رمق الجوع، فضلًا عن الحصول على كوبين فقط من الماء.
ومؤخرًا، ذكرت منظمة العفو الدولية أن هناك أدلة وبراهين عديدة تشير إلى إقدام قوات الدعم السريع في السودان على تصفية سجناء، من بينهم أسرى يتبعون للجيش السوداني، بدوافع انتقامية، فيما جرى تصفية آخرين في إطار ما وصفته المنظمة بالتطهير العرقي بحق فئة سكانية بعينها في إقليم دارفور، الأمر الذي فاقم من حدة الأوضاع الإنسانية. ودعت المنظمة إلى فتح تحقيق عاجل ومستقل حول هذه الجرائم.
ولم تكن هذه المرة الأولى التي تُقدم فيها قوات الدعم السريع على تصفية السجناء بعد إخضاعهم للتعذيب؛ إذ مارست السلوك ذاته إبّان وجودها في العاصمة الخرطوم خلال عام 2023، عندما حوّلت سجن «سوبا» إلى مقر للاعتقال والتعذيب، ما أسفر لاحقًا عن اكتشاف عدة مقابر جماعية نتيجة مقتل المئات. كما تكرّر الفعل نفسه في موقع «مصفاة الجيلي» شمالي الخرطوم، الذي تحوّل لاحقًا إلى مقبرة جماعية.
وتتخوّف عدة منظمات إقليمية ودولية، من بينها مجلس حقوق الإنسان، من تمادي قوات الدعم السريع في ارتكاب الانتهاكات بحق المدنيين العزّل. وقد أكّد ذلك المفوض السامي لحقوق الإنسان خلال زيارته للسودان قبل أسابيع، واستماعه إلى شهادات بعض أسر الضحايا في معسكرات النزوح بولاية الشمالية لأبناء مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور.
وفي السياق ذاته، شددت المحكمة الجنائية الدولية، في تقريرها الأخير عن السودان المقدم إلى مجلس الأمن الدولي، على ضرورة إصدار مذكرات توقيف بحق قيادات تتبع لقوات الدعم السريع، لضلوعها في انتهاك القانون الإنساني الدولي وتصفية آلاف الأشخاص بدوافع عرقية وإثنية، الأمر الذي يتطلب تدخلًا عاجلًا من الأسرة الدولية.
ويؤكد الكاتب الصحفي والمحلل السياسي علي منصور أن قوات الدعم السريع، خلال عامين فقط، حوّلت إقليم دارفور إلى «كابوس» حزين نتيجة تصاعد وتيرة الانتهاكات الإنسانية. ويرى أن ما يحدث داخل سجن «دقريس» بمدينة نيالا يفوق في فظاعته ما جرى في معتقل غوانتانامو إبّان حكم الرئيس الأميركي جورج بوش الابن، حيث يصبح الموت انتظارًا محتومًا بفعل تعطل وظائف الجسد، في ظل سيادة الجوع والعطش.
ويضيف منصور أن السجن، الذي صُمم في الأصل لاستقبال المحكومين في جرائم القتل والاتجار بالممنوعات كالسلاح والمخدرات، يُستغلّ حاليًا من قبل قوات الدعم السريع لتصفية الحسابات السياسية والاجتماعية، باعتباره أحد أبرز معتقلاتها وأكثرها سوءًا على الإطلاق.
وفيما يتعلق بتحرك المجتمع الدولي، يقلّل منصور من جدوى التحركات الحالية للأسرة الدولية، التي لا تتجاوز ـ بحسب وصفه ـ إصدار التقارير وبيانات التنديد، معتبرًا أن ما يجري يمثل انتهاكًا صارخًا للقوانين والأعراف الدولية وحقوق الإنسان. ويؤكد الحاجة إلى تحرك دبلوماسي وشعبي أكبر مما هو قائم الآن، للوقوف في وجه ما تقوم به قوات الدعم السريع بحق مواطني إقليم دارفور من انتقام، وتهجير قسري، وتجريف اجتماعي، وتغيير ديمغرافي.