الرائد (م) سر الختم السلمابي: تربّيت على القيم قبل اختيار اسمي

الرائد (م) سر الختم السلمابي ل (ألوان):

تربّيت على القيم قبل اختيار اسمي

فقدان رفيق السلاح الجرح الأكثر عمقًا

الضابط والشاعر (جناحين) لذاتٍ واحدة

 

حوار: هدى الخليفة النور

في زمنٍ تتداخل فيه الروايات وتتسارع فيه الأخبار، تظل الحقيقة بحاجة إلى من يحرسها بوعي ومسؤولية، فالإعلام أصبح ساحةً أخرى من ساحات الدفاع عن الوطن، حيث تتقاطع الكلمة مع الواجب، وتلتقي الرسالة الإعلامية بروح الجندية والانضباط. وفي قلب هذه المساحة التي تجمع بين صرامة الميدان وقوة الكلمة، ظهر اسم الرائد (سر الختم السلمابي)، أحد ضباط القوات المسلحة السودانية، الذي اختار قبل إحالته للمعاش أن يسهم في معركة الوعي عبر الإعلام العسكري، مؤمنًا بأن الكلمة الصادقة قد تكون في بعض الأحيان أكثر تأثيرًا من ضجيج المعارك. وفي هذا الحوار الخاص، يفتح الرائد (م) سر الختم السلمابي صفحات من سيرته وتجربته، يحدثنا عن البدايات الأولى داخل أسوار الكلية الحربية، وعن مسيرته في صفوف القوات المسلحة، بجانب حديثه عن “عدة أشياء ومواقف” تتعلق بمعركة الكرامة.

 

 

من هو سر الختم بعيدًا عن العسكرية؟

 

قبل أن أكون رتبةً تُحمل على الكتف أو اسمًا يُنادى في ميادين القتال، أنا إنسانٌ صاغته تفاصيل بيئة سودانية عميقة الجذور، بيئة تُربّي أبناءها على القيم قبل أن تعلّمهم الأسماء.. نشأتُ في فضاءٍ كانت فيه الحكاية جزءًا من الحياة اليومية، وكانت القصيدة تُقال كما يُقال السلام، دون تكلّف، لكنها تترك أثرًا لا يُمحى. في تلك المجالس، حيث الكبار يسردون تجاربهم، والصغار ينصتون بقلوب مفتوحة، بدأت ملامحي الأولى تتشكّل. تعلّمت أن الكلمة ليست مجرد صوت، بل مسؤولية، وأن الانتماء ليس شعارًا، بل موقفٌ يُختبر عند الشدائد.
أما الجندية، فلم تكن قرارًا مفاجئًا، بل كانت امتدادًا طبيعيًا لهذا التكوين، وحين يكبر الإنسان وهو يرى الأرض كعرضٍ وكرامة، يصبح الدفاع عنها واجبًا لا يُناقش، بل يُلبّى، وهكذا وجدت نفسي أحمل في داخلي مسارين لا يتناقضان: مسار الكلمة التي تُعبّر، ومسار البندقية التي تحمي.

 

متى اكتشفت أن داخلك شاعرًا، وهل كانت القصيدة ملاذًا أم سلاحًا آخر؟

 

اكتشاف الشاعر في داخلي لم يكن لحظةً واحدة فاصلة، بل كان تراكمًا هادئًا بدأ منذ سنوات الدراسة، حين كنت أشعر أن بعض المشاعر أكبر من أن تُقال بالكلام العادي، فتخرج في شكل أبيات، أو حتى شذرات غير مكتملة. ومع مرور الوقت، أدركت أن الشاعر لم يكن شيئًا منفصلًا عني، بل كان جزءًا أصيلًا من تكويني، وعندما التحقت بالجندية، لم يتراجع هذا الجانب، بل ازداد حضورًا.
القصيدة كانت ملاذًا في لحظات الضيق، حين تضيق الروح بما لا يُحتمل، لكنها لم تكن يومًا مجرد هروب.. كانت أيضًا سلاحًا معنويًا أواجه به الانكسار، وأعيد به ترتيب الفوضى داخلي.. في بعض الأحيان كانت كلمة واحدة قادرة على أن تعيد لي توازني أكثر من أي شيء آخر… وهنا أدركت أن الشاعر والضابط ليسا ضدين، بل جناحين لذاتٍ واحدة.

 

أين كان موقعك من الحرب، وما هي أبرز الأدوار؟

 

كنتُ في الخطوط الأمامية، حيث تختفي المسافات بين الحياة والموت، وحيث تتحوّل المبادئ إلى أفعالٍ يومية. وهناك، لا مجال للتنظير، بل للمواجهة المباشرة مع واقعٍ قاسٍ لا يرحم التردد. وشاركتُ في مهام متعددة، من تأمين مواقع ذات أهمية استراتيجية، إلى إسناد وحدات تعمل في ظروف بالغة التعقيد، تتطلب سرعة القرار ودقة التنفيذ، لكن رغم أهمية هذه الأدوار، أؤمن أن الدور الأعمق كان إنسانيًا بالدرجة الأولى.
وكنت أحرص على أن أكون قريبًا من الجنود، أشاركهم تفاصيل يومهم، أستمع إليهم، وأحاول أن أكون مصدر دعم نفسي قبل أن أكون قائدًا ميدانيًا، لأن الحرب في جوهرها ليست فقط مواجهة بالسلاح، بل اختبارٌ لقدرة الإنسان على الصمود، وعلى التماسك في وجه كل ما يحاول كسره.

 

في اللحظة الأولى، هل غلب صوت الرصاص أم القصيدة؟

 

اللحظة الأولى لدخول ساحة المعركة هي لحظة تتجاوز الوصف العادي، كأن الزمن يتقلّص، وكأن كل شيء يحدث دفعة واحدة.. الأصوات تتداخل، والوجوه تمرّ بسرعة، والرصاص يفرض إيقاعه القاسي على المكان.
في تلك اللحظة، يبدو أن صوت الرصاص هو الأعلى، لكنه ليس الأعمق.. في داخلي كان هناك صوتٌ آخر، أكثر هدوءًا، لكنه أكثر ثباتًا، هو صوت القصيدة.
ولم تكن القصيدة تُسمع بوضوح، لكنها كانت حاضرة كإحساس، كنداء داخلي يقول: “اثبت… هذه اللحظة ليست مجرد معركة، بل لحظة تُكتب في تاريخك، وفي تاريخ وطنك”.
وربما في تلك اللحظة تحديدًا، أدركت أن الشعر ليس ترفًا، بل ضرورة.. ضرورة تُبقي الإنسان إنسانًا، حتى وهو في أقسى الظروف.

 

ما أصعب موقف إنساني مرّ عليك خلال الحرب؟

 

أصعب ما في الحرب ليس ما تراه، بل ما تشعر به بعد أن ينتهي كل شيء.. فقدان رفيق السلاح هو الجرح الأكثر عمقًا، لأن العلاقة بين الجنود لا تُبنى فقط على العمل، بل على المشاركة في الخطر، في الخوف، وفي الأمل.
أن ترى شخصًا كان معك قبل لحظات، يضحك أو يتحدث، ثم يغيب فجأة… هذا أمر يصعب استيعابه.
تظل تلك اللحظات عالقة في الذاكرة، تعود في أوقات غير متوقعة، كأنها تذكير دائم بثمن ما نعيشه.. الحرب قد تنتهي في الواقع، لكنها تظل مستمرة في الداخل، في شكل ذكريات لا تهدأ.

تنويه:

تم إجراء الحوار قبل إحالة الرائد “سر الختم السلمابي” للمعاش بأيام، وعندما تمت مشاورته بعد الإحالة وافق على نشره.