
د. نجلاء حسين المكابرابي تكتب: حينما يصبح الماء سياسة حياة
مسارات
د. نجلاء حسين المكابرابي
حينما يصبح الماء سياسة حياة
في مدينة بورتسودان التي أنهكها الظمأ، واشتدت عليها أوجاع الحرب والنزوح، لم يكن الماء مجرد خدمة، بل كان معركة بقاء. وبين صهاريج تتأخر، وآبار تجف، ومواطن يلاحق قطرة الحياة، جاءت محطة شاحنات تحلية المياه في بورتسودان كخبر مختلف، كتحول حقيقي في معادلة الألم.
هذه المرة، لم يكن الحل وعودًا حكومية مؤجلة، بل كان مشروعًا قائمًا على الأرض، بدعم مباشر من مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، ليعيد تعريف معنى التدخل الإنساني: ليس إغاثة مؤقتة، بل إنقاذ مستدام.
الماء… حين يصبح سياسة حياة
ما حدث في بورتسودان يتجاوز ضخ آلاف الأمتار المكعبة من المياه يوميًا، إنه إعادة رسم لخريطة الحياة في مدينة كانت على حافة الانهيار. الماء هنا لم يعد سلعة نادرة تُشترى بثمن باهظ، بل عاد حقًا إلى الناس، إلى البيوت والمدارس والمستشفيات. وهنا تكمن الخطورة الإيجابية: حين يتوفر الماء ينخفض التوتر، وتخفت الصراعات، ويبدأ الاستقرار.
من العطش إلى التعافي
لسنوات، كانت الأمراض المرتبطة بالمياه الملوثة تفتك بصمت، أما اليوم ومع توفر مياه نظيفة، تتراجع معدلات الإصابة بالأمراض، وتستعيد المرافق الصحية قدرتها على العمل، ويشعر المواطن لأول مرة أن الدولة – أو من يدعمها – لم تنسه. هذه ليست رفاهية، بل بداية التعافي.
الاقتصاد… حين يشرب ليستيقظ
في المدن الهشة، الماء هو الاقتصاد الخفي. بدونه تتوقف المخابز، تتعطل المطاعم، وتختنق الأسواق، ومع عودة المياه تنخفض تكلفة المعيشة، وتعود الأنشطة الصغيرة للحياة، ويتحرك السوق من جديد. بكلمة واحدة: الماء أعاد النبض.
ما وراء المشروع: رسالة سياسية صامتة. يحمل هذا المشروع رسالة عميقة مفادها أن الأمن المائي هو بوابة الاستقرار، وأن الشراكات الإقليمية يمكن أن تصنع فارقًا حقيقيًا، وأن التنمية قد تكون أبلغ من الخطابات السياسية. في وقت تتعثر فيه الحلول الكبرى، تأتي مثل هذه المشاريع لتقول: ابدأ من الأساس… من الماء. الحقيقة التي لا يجب تجاهلها رغم أهمية المشروع، إلا أنه يطرح سؤالًا حادًا: أين كانت الدولة؟ ولماذا وصل الحال إلى هنا؟ فالمبادرات الخارجية مهما عظمت لا يمكن أن تكون بديلًا دائمًا عن دور الدولة، لكنها في لحظات الانهيار تصبح طوق النجاة.
وأخيرًا، إن ما حدث في بورتسودان ليس مجرد تشغيل محطة، بل هو كسر لحالة العجز وإثبات أن الحلول ممكنة حين تتوفر الإرادة. لقد انتصر الماء ولو مؤقتًا، لكن المعركة الأكبر ما زالت مستمرة: معركة بناء دولة لا يعطش فيها مواطن، ولا ينتظر الإغاثة ليحيا. وعقبال قضارف الخير يارب.