صلاح دندراوي يكتب: اللواء ركن عوض الكريم .. مسيرة مضيئة

نقطة ضوء

صلاح دندراوي

اللواء ركن عوض الكريم .. مسيرة مضيئة

الحياة ملأى بالمحطات كقطار يمضي على دربه يتوقف بمحطاته، ليهبط من وصل به درب المسير، ويعتليه آخرون ليواصلوا السير.. وهكذا تمضي سنة الحياة، وتلك الأيام نداولها بين الناس.
اللواء الركن عوض الكريم علي سعيد أحد هؤلاء الذين كان يقلهم قطار التكليف ليصل إلى محطته في هذا الدرب، ليخلي مقعده ويتوارى ليخلفه راكب جديد.
والإنسان بين ولوجه الحياة وخروجه منها، ترتسم عدة لوحات وتنهض عشرات الأفعال، وأسعدهم من يغرس خلال مسيرته ذكرى طيبة يستظل بها بعد مفارقته.
وأحسب أن اللواء ركن عوض الكريم قائد الفرقة الأولى مشاه أحد هؤلاء الذين غرسوا شجرة الذكرى التي قوي ساقها وتمددت ظلالها لينعم بها الآن وهو يرى كيف أن غرسه قد أثمر.
وكان صباح الاثنين الموافق العشرون من أبريل، تلك اللحظة الفارقة في حياة عوض الكريم، وهو يلقي عصا ترحاله عند بوابة الفرقة الأولى بود مدني مودعًا ذاك الصرح الذي سكب فيه الدم والدموع حتى يزهر نصرًا وشموخًا.
لم يكن ذاك اليوم عاديًا، ولم يكن كمجرد تسليم وتسلم مع القائد الجديد اللواء ركن عادل عبد الله، ولكن كان تسليمًا لأمانة ناءت عن حملها الجبال، واللواء عوض الكريم يحمل على كاهله أمانة تحرير ولاية في قامة الجزيرة استباحها العدو في غفلة من الزمان.
كان كالشعلة التي تجاهد حتى لا يخبو وهجها، يقاتل كي تضيء ويتمدد ضياؤها.. وكان له ما أراد.
لقد أشعل ومن معه من قادة في نفوس أهل الجزيرة العزيمة والكبرياء وهم يتصدون لهؤلاء الغزاة، لم يفقدوا الأمل في أن تعود الجزيرة ندية كما كانت تهب للآخرين الحياة. وعادت ومعها الآلاف من المستنفرين الذين أهلهم ليكونوا حماة لها.
كان ولجنة الأمن التي تحلقت حول قضية الولاية يضعون الخطط ويسكنون الطمأنينة بأن الأرض لنا لا للظلمة، فتحقق لهم ما أرادوا.
كان اللواء عوض الكريم كالشامة في هذا المحفل، إنسان متواضع بشوش متعاون يحترم ويُحترم، كان الكل يعزه، كان ملتحمًا مع جنوده لا تفرق بينهم رتب ولا نياشين، وإنما كان الهم واحد.. هم الوطن.. فذابت الألقاب وتوحدت الرؤى، فكان النتاج هذا النصر المبين.
إن عوض الكريم مهما تمددت الأحرف وتطاولت الكلمات فلا أحسب أنها تفي قليلًا من صنعه، لذا كانت لحظة ترجله عزيزة وأنت ترى ماضيًا طيبًا يرحل، لقد كان مشهدًا مؤثرًا ودموع الرجال تحكي عن عظمة المشهد، والكل يتحلق حوله لا مواسيًا وإنما فخور بذاك العطاء، وحزنًا بأن يبتعد هذا الضياء عن مكان ألفه.
وهكذا يمضي القطار في مسيره، يترجل البعض ليصعد آخرون يحملون ذات الراية ينافحون عنها، وتبقى الجندية ذاك الإرث الطيب الذي يتناقله جيل بعد جيل، يسطر التضحيات، ويروي تلك الأرض الطيبة بالدم والدموع، وتظل تلك المؤسسة حبلى تمد هذا الوطن بشريان التضحية والفداء.