
د. حسن محمد صالح يكتب: مفاوضات تقاسم السلطة
موقف
د. حسن محمد صالح
مفاوضات تقاسم السلطة
قال رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس إن حكومته تسعى لإجراء حوار سياسي شامل بحلول نهاية الشهر المقبل “مايو”، “قبل الوصول إلى تنظيم انتخابات نزيهة وحرة مراقبة دوليا وإقليميا ومحليا”.
وأوضح إدريس في تصريح للجزيرة نت أن الحكومة بصدد اتخاذ إجراءات لتهيئة المناخ للحوار بين الفرقاء، بما في ذلك تسهيل عودة المعارضين من الخارج، مشددا على أن “العملية السياسية المرتقبة ستكون شاملة ولن تقصي أحدا”.
وقال إن “الحوار ستشارك فيه كافة قطاعات الشعب وليس النخب السياسية فحسب”، كاشفا أن رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان أعطى الإذن بتجديد الوثائق الرسمية وجوازات معارضين خارج البلاد تمهيدا لعودتهم.
وأشار إلى أن الحوار المرتقب يهدف إلى الخروج بتوافقات عريضة حول التحديات المطروحة على البلاد، مثل التحديات الأمنية وآليات الحكم.
ولم يحدد إدريس المكان الذي سينعقد فيه الحوار السياسي، قائلا “العملية السياسية ستنطلق من الخرطوم أو أي مدينة أخرى في البلاد”. (انتهى).
أولا:
هذا التصريح فاجأ الشعب السوداني، وجاء على مقربة من ختام مؤتمر برلين الذي انعقد بتاريخ ١٥ أبريل ٢٠٢٦م. ولا يزال السودانيون ينظرون لما جرى في برلين على أنه عملية تدخل سافر في السودان.
الحوار المعلن عنه لا يختلف عن المفاوضات التي جرت في العام ٢٠١٩م بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى الحرية والتغيير وما أنتجه من وثيقة دستورية وتقاسم السلطة.
تطورت تلك الشراكة بين شد وجذب وتبادل اتهامات إلى أن تم توقيع الاتفاق الإطاري واشتعال نار الحرب في البلاد.
أول ضحايا الحوار القادم هو رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس، ليت دولة رئيس الوزراء يضحي بمنصبه من أجل السلام والأمن والاستقرار في السودان، ولكن الدكتور كامل إدريس بهذه الخطوة يقوم بتحضير السودان لذات الظروف التي أدت إلى ما تعانيه البلاد من دمار بفعل التدخلات الخارجية التي تتخذ من قوى المعارضة الخارجية (مخلب قط).
ثانيا:
ظل الشعب السوداني يضحي بالغالي والنفيس، إلا أنه في هذا الحوار هو (الحاضر الغائب)، والقول بأن الحوار لن يقصي أحد (شنشنة) قديمة، فالشعب المعني بالحوار (ليس هو الشعب السوداني المعروف بمكوناته الاجتماعية والثقافية وقواه السياسية المعروفة)، ولكن المعني بالشعب هو واجهات قحط مثل تجمع المهنيين ولجان تسيير نقابة المحامين والأطباء وكل الطحالب المعدة سلفا للالتفاف على الشرعية النقابية والإرادة الشعبية.
هذه الأحزاب المجهرية متمرسة منذ جبهة الهيئات في ثورة أكتوبر ١٩٦٤م على توظيف الأجسام التابعة لها لإجهاض التحول المدني الديمقراطي الذي يدعون الحرص عليه.
وسواء كان رئيس الوزراء كامل إدريس يدري أو لا يدري فإنه يمهد لسيطرة خارجية على مقدرات الشعب السوداني، وسبق ذلك الحديث عن إعادة لجنة إزالة التمكين ووصول السفير المعادي للقوات المسلحة نور الدين ساتي والحديث عن عودة رئيس المؤتمر السوداني عمر الدقير إلى بورتسودان.
هذه الطغمة السياسية الفاسدة فشلت في الوصول لأهدافها بتغيير هوية هذا البلد، وبصبر لا تحسد عليه تريد ابتلاع الوطن باسم الحوار مع السلطة القائمة.
ثالثا:
الحديث عن تجديد الأوراق الثبوتية هو (استهبال سياسي).
سبق لوزير العدل أن صرح (قبل أكثر من عام) بأن وزارته مع وزارة الداخلية قامتا بتجديد الأوراق الثبوتية للمعارضين بالخارج على إثر التوجيه الذي صدر من رئيس المجلس السيادي في هذا الخصوص، وقد تم ذلك قبل عامين وتم تعديل قانون الجوازات الذي أصدرته حكومة حمدوك التي اعتبرت الجواز وثيقة إثبات للهوية لتنفيذ سياسة حظر سفر المواطنين السودانيين في الموانئ والمطارات بالتعاون مع قائد مليشيا التمرد حميدتي.
الحديث عن أوراق ثبوتية للمعارضين هو تكرار ادعاء باطل، الغرض منه صرف الأنظار عن ملاحقة جماعات صمود وتأسيس المتحالفين مع المليشيا المتمردة التي تقتل المواطنين الأبرياء.
هذه المجموعات تود استخدام الحوار لتغيير جلدها كما يغير الثعبان قميصه، ولكن ما تعلمه الشعب السوداني عن الثعبان هو لدغه وليس لونه.
بناء على هذه المعطيات فإن الحديث عن حوار سوداني سوداني ستكون محصلته تقاسم السلطة بين الجيش، بالأحرى بين القائد العام للقوات المسلحة ومجموعات الحرية والتغيير المتحولة سياسيا.
رابعا:
الحوار المعلن عن انطلاقته بعد أيام معدودات يعتبر حوارا بلا سقف أو نهاية (حرب جديدة) بآليات جديدة. فالحوار يبدأ والله وحده الذي يعلم متى ينتهي أو يغلق أبوابه أمام الوافدين وأدعياء التمويل المالي والرحلات الخارجية والإعلام والمنظمات والحكومات والدول ومن لديهم حق الفيتو والملكية الفكرية من شاكلة مسعد بوليس مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية.
خامسا:
حوار سوداني سوداني (لا يقصي أحد)، من هو هذا الأحد؟ ومن الذي درج على إقصاء الآخرين غير مجموعات صمود وتأسيس… الطبع يغلب. ذات الجهات التي رفضت مشاركة القوى السياسية السودانية في الاتفاق الإطاري بحجة عدم إغراق الإطاري هي التي تتداعى الآن على قصعة الحوار لاختطاف الثمار وإقصاء من تشاء تحت أي ذريعة أو حجة. عينهم على السلطة وتدمير الجيش وتفكيكه، وما يحدث الآن بالقطاعي سوف يكتمل بالجملة من خلال مقررات الحوار التي تصدر في شكل بروتوكولات أو مشروعات قوانين.
سادسا:
الرهان الأكبر لدى قحط (صمود وتأسيس) كله على الخارج منذ توليهم السلطة في حكومتي حمدوك الأولى والثانية.
وما أمر البعثة الدولية برئاسة فولكر ببعيد، يومها تقدم حمدوك للأمين العام للأمم المتحدة بطلب إرسال بعثة أممية تحت البند السادس (حسب زعمه) للمساعدة في الانتقال الديمقراطي.
وهو عمل مفضوح، كأن هذا البلد العريق المسمى السودان ليس فيه عقلاء ولا حكماء ولا جامعة الخرطوم ولا قوى اجتماعية أو سياسية حققت الاستقلال.
سابعا:
حديث رئيس الوزراء عن الانتخابات التي تعقب الحوار القادم هو حديث للاستهلاك السياسي وليس استجابة لاستحقاق وطني، والعودة للشعب لممارسة حقه الدستوري بإجراء انتخابات حرة ونزيهة ومراقبة دوليا وإقليميا ومحليا.
هناك حقيقة لا بد أن يدركها رئيس الوزراء وهو يعلن عن حوار سوداني، وهي حالة (الجفاء الصارخ) تجاه الانتخابات من قبل هذه الأحزاب المشاركة في الحوار. بدلا عن الانتخابات سوف يستعيضون بالتوافق الوطني، وهو خدعة سياسية يتم استخدامها بديلا للانتخابات للوصول إلى كراسي الحكم من غير تفويض شعبي.
وما ينتجه الحوار القادم معلوم سلفا: توافق بين العسكريين والمدنيين لتشكيل حكومة ثورة أبريل أو كذبة أبريل.
يحدث كل هذا (التخريب) باسم الحوار.
القوات المسلحة بهذا الحوار تكون قد خرجت عن دورها، وهي الضامن الأكبر لهذه الفترة الانتقالية المناط بها تسليم السلطة لحكومة منتخبة من الشعب.
هذا ما ينتظره الشعب السوداني، وأعلنه الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان رئيس المجلس السيادي في خطابه أمام مجلس الأمن الدولي عقب خروجه من القيادة العامة في العام ٢٠٢٣م.
ثامنا:
إطلاق حوار سوداني سوداني في مايو القادم والحرب لم تزل مشتعلة، والمليشيا تحتل دارفور وأجزاء واسعة من كردفان، النتيجة المباشرة هي تقسيم السودان بحكم الأمر الواقع.
الحوار بحاجة إلى وقف إطلاق النار لأسباب مختلفة، منها تهيئة المناخ للحوار ضمن مطالب المتحاورين التي تبدأ بتوفير الشاي الأخضر والنثريات الدولارية (الدويلة أفلست ومدت قرعتها لأمريكا).
وقف إطلاق النار بين القوات المسلحة ومليشيا التمرد يمكن اعتباره بداية العد التنازلي لعودة المليشيا الإجرامية للحياة السياسية من جديد، ويكون دعاة لا للحرب من داعمي الجنجويد قد حققوا ما يصبون إليه من هزيمة القوات المسلحة من غير قتال.
تاسعا:
الشعب السوداني لا يحتاج لمن محاورة أو مجادلة في مليشيا الجنجويد وأعوانها في قحط.
الاحتجاجات الشعبية الرافضة لمؤتمر برلين ومن قبله لندن وباريس رفضا للتدخل الأجنبي في الشأن السوداني تحت ستار العمل الإنساني أو وقف الحرب وعودة المدنيين (القحاطة للسلطة).
ختاما:
لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، ولا مجد لـ”الساتك” وإشعال الساتك في الطرقات وتلويث البيئة الحضرية وغيرها من الخيبات.
القوى المشاركة في الحوار تساوي بين القوات المسلحة ومليشيا الجنجويد، وتحرض الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي ضد القوات المسلحة، وتشن الحملات على الدول الصديقة والشقيقة التي تدعم المؤسسات الشرعية. عبد الله آدم حمدوك يخطب في سكاي نيوز، يسب مصر والمملكة العربية السعودية وتركيا، ويقول: إذا كانت دولة الإمارات تدعم الدعم السريع فهناك دول تدعم الجيش. حمدوك يطالب بحظر توريد السلاح للقوات المسلحة وتجفيف مصادر تسليحها خارجيا وداخليا، مما يعتبر خيانة عظمى حسب الدستور والقانون. كيف يسمح المروجون (أفكا) لاستخدام الجيش للسلاح الكيماوي أن يصبحوا جزءا من حوار وطني أو سوداني سوداني؟
كيف يجلس هؤلاء المجرمون القتلة في مائدة مستديرة أو مستطيلة مع شرفاء الوطن المدافعين عنه؟
إذا كانت الحكومة السودانية قد جددت لمن تسميهم المعارضين أوراقهم الثبوتية لدرجة الإعفاء من الرسوم واستخراج الجوازات الدبلوماسية لمريم الصادق المهدي وخالد سلك وحمدوك، فماذا قدم هؤلاء المعارضون للحوار أكثر من الارتماء المتزايد في أحضان الأجنبي والدفاع المستميت عن دولة الشر وانتهاز فرصة الحوار لتدمير القوات المسلحة؟
السيد رئيس الوزراء، تقدمت بخطة لإنهاء الحرب في السودان وإدارة الفترة الانتقالية تمت الموافقة عليها من قبل مجلس الأمن الدولي والاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية.
المطلوب من الدكتور كامل إدريس التمسك بخطته والعمل على تنفيذها بدلا عن حوار لإعادة اللحمة بين العملاء والعسكريين من جديد.