
إرواء الصادي في شظف النوادي وشجن الأنادي
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
إرواء الصادي في شظف النوادي وشجن الأنادي
الرجال الحيقيقيون الصامتون الصامدون على الأرض هم الذين يقاتلون والجيش وسندهم القوات المشتركة والبراءون والدراعة والمدنيون الشرفاء، أولئك الذين يحرسون الثغورالمدنية تنمية وتربية وصحة، أعينهم على الوطن وأياديهم على الزناد وشعارهم اليقظة الحذر والاستعداد.
أما الفراجة هؤلاء خلق كثير بعضهم اختارالانتظار البائس لمعرفة نهاية المعركة، وفراجة الطابور الخامس من المنافقين الذين يقولون للذين قاتلوا وصادموا ورابطوا كلاماً ومعسولاً، ويقولون لحزب الشيطان حديث المولاة والمؤازرة ، أما شرازم النادي السياسي في الداخل والخارج إلا من رحم الله فقد اختاروا الشتيمة والبذاءة والكذب الصراح بديلاً للنقد الذاتي والتوبة الوطنية ، واختاروا مناصرة الأجنبي بديلاً عن مناصرة الوطن، وآثروا فتات الموائد بديلاً عن بليلة المباشر والماء القِراح وتخيروا ذل الوظائف لدي النخاسين بدراهم معدودات أو بوعد كذوب ثمناً للعودة لمناصب لا يستحقونها ولمُلك يبكونه بكاء النساء لم يحافظوا عليه محافظة الرجال.
إن هذا (النادي) لعمري أشرف منه بما لا يقاس (بالإنداية) وفي هذا السياق ولترسيخ المضمون والانتباهة يحضرني مشهد يحكيه الباحث الشعبي الراحل الطيب محمد الطيب وللرجل مؤلفات في التراث الشعبي بدلالاتها الإبداعية والتربوية والتي لو استفدنا من مغزاها لما احتجنا لدراسة جدوي أو لخبير أجنبي. يقول عليه الرحمة:
كانت تقع في أقصى المدينة بيوت الخمور الشعبية وهو ما يعرف عند العامة والخاصة ب(الإنداية) وللإنداية في أدب الطيب محمد الطيب حكايات وألغاز ودروس وغموض وأسرار ومفاجئات.
يحكي عليه الرحمة بطريقته البلدية المشوقة: كانت أشهرهن إنداية (عطانا) و(فضل الساتر) تلك التي كانت إندايتها لا تبعد كثيرا عن جارتها مما أدى لكثير من المنافسة غير الشريفة والحسد. وكان دائماً ما يأتي الزبائن عصراً حيث يقبض العمال يومياتهم ويبدأ السوق في إغلاق محاله وتنتهي مشاغل الأغلبية في الكسب ومواقيت المهن، وحتى حضورهم تظل هذه الأنادي في انتظار وترقب لساعات طويلة تمتد من الصباح حتى العصر، ولأن الوقت يحتاج لانقضاء وأزمنة الانتظار تحتاج لبرامج( واللقيا أجمل في الحقيقة بلا انتظار ) ، فإن عطانا مع بناتها الساقيات وحراسها من أنصاف الرجال يقفون صفا في مواجهة فضل الساتر بمجموعة ممثالة من النساء وأشباه الرجال وتبدأ نوبات الشتائم المتبادلة وغالباً ما تكون مسجوعة وفيها الكثير من التعريض والهتافية، هذه تقول وتلك ترد ، وتتاح فرص للبنات وأشباه الرجال بردود متبادلة وتستمر هذه المطارحة الشريرة لساعات من شاكلة: ( إنداية شنو الفوق حفرة وتحت صفاية، لا دخل فيها ود إدريس ولا نميري الرئيس)وينبري الطرف الأول (الخايب) مدافعا ً فترد عليه رداً لاذعا :(يعيش الخرطوم اللبسكم القميص وعلمكم الحديث) فيرد عليها:(نحن وكت لبسانا القميص واتعلمنا الحديث البحر فيه فد حوته والحلة فيها فد شاحوطه).
وتتوالي المعركة إلا أن تبدأ في الأفق طلائع الزبائن من أصحاب المزاج يتوافدون صوب البنابر والصفائح وقرع المريسة والشواء بدخانه المتصاعد صوب السماء وغناء التمتم المبتذل تتعالى به أصوات السكاري المشروخة ( إن مات فكي شن لينا في وإن مات مَرّاسي فقدو علينا قاسي ).
هنا تدق ساعة النهاية لهذه المطارحة البذيئة الشريرة حيث تصيح (عطانا) بصوت صادم يشق سائر الأنادي حتى يبلغ مطالع المدينة: يا (فضل الساتر)؟ فترد من هناك : (سامعاك يا عطانا دحين فضل ليك شنو غير ملقوطه ومطلوقه ) ! فترد عليها (فضل الساتر) الباقي كتير (شي هارد الكلى وشي هارد الحشى وشي مقطع الفشفاش) ، فترد عطانا في براغماتيه راسخة : (خلاص أدفنيه لي باكر خلينا نشوف زباينا و مصالحنا).
إن المستمع والمشاهد والقارئ الحصيف الذي يتأمل في حزن شتائم وبذاءات وأكاذيب النادي السياسي، لا يملك إلا أن يتوجع لهذا الغثاء ويأسف لما وصل له الخطاب السياسي في بلادنا من انحطاط وما وصل إليه الوطن من مهانة ومذلة على يد هؤلاء الأغبياء الذين ينشرون غسيلهم القذرعلى كل المواقع والفضاءات، والعالم كله يتفرج بالمجان.
إن هؤلاء الأوباش يسيئون لشعب كان نخبته حتى بالأمس القريب تُهدي للآخرين مطالع الكلِم ووسيم الأدب ورفيع الأخلاق ونادرالكفاءات. إن الذين يعلمون بواطن الأمور ويستخرجون الماس من قلب القواقع يدركون بأن (عطانا) و(فضل الساتر) وتوابعهم أشرف بكثير من تلك القيادات التي اختارت الخيانة والعمالة وفتات الموائد، فالإنداية ستظل لا رد الله غربتها أذكي بكثير من النادي السياسي السوداني فهي علي الأقل كانت تعرف مصالحها تماماً وحرافيش النادي السياسي لا يعرفون الحد الأدنى من مصالحهم الدنيئة وبالأحرى لا يعرفون مصالح الوطن الكبير .
وأخيراً فإني لا أجد أقسي وأصدق من تشريع هذا النص لواقعنا السياسي والإعلامي والاجتماعي
قالت العِلكَة:
أشعر بالضياع
ففي فم السياسي
أُصبِح بياناً هاماً
وفي الجريدة
أُصبح الأفتتاحية
وفي وعود العشّاق
أصبح تنميقاً للكذب
فقط في فم العاهرة