الرزيقي: الصحافة الورقية ستنهض من تحت الرماد لتحلق مجددا

رئيس اتحاد الصحافيين الصادق إبراهيم الرزيقي في حوار الملفات الشائكة لـ”الوان” (2-2):

الصحافة الورقية ستنهض من تحت الرماد لتحلق مجددا

نطالب الدولة بدعم مدخلات الطباعة لضمان عودة المؤسسات

ثمرة تواجدنا الدولي الحفاظ على اسم وقضية السودان

تم تكوين لجنة رفيعة لإعادة إعمار وتأهيل مقر الاتحاد بالمقرن

إدانة دعم الإمارات للمليشيا نشرت عالمياً قبل إعلامنا

التعقل في قضايا الأمن القومي هو المخرج الوحيد

قدمنا دعومات عينية وسلالاً غذائية للزملاء بمصر والولايات

خطاب الدورة والميزانيات لانتخاب قيادة جديدة جاهزة تماماً

تم الااتفاق مع قناة الجزيرة لتنفيذ دورات تدريبية متقدمة

الصحافة ضلع أساسي ببناء الدولة ولن تضيع هيبتها

 

​حاوره: رمضان محجوب

في الجزء الثاني من حوار “الملفات الشائكة”، يواصل الأستاذ الصادق الرزيقي، رئيس اتحاد الصحفيين السودانيين، كشف الحقائق ووضع النقاط على الحروف في صحيفة “الوان”. ينتقل الرزيقي من معركة السجل والشرعية إلى معركة “البقاء والنهوض”، متحدثاً عن مستقبل الصحافة الورقية في ظل الدمار الذي طال المؤسسات، وموضحاً حقيقة الملاحقات الأمنية وضمانات حرية التعبير في زمن الحرب. كما يكشف كواليس العمل الدولي للاتحاد والجهود المبذولة لإغاثة الصحفيين السودانيين الذين تقطعت بهم السبل في الداخل والمنافي.

 

​◼ كثر الحديث عن “شراء الذمم” والارتزاق بين الصحفيين؛ فبماذا تردون على من يصفون بعض الأقلام بأنها “مأجورة”؟

= هذه اتهامات قديمة متجددة، وليست وليدة اليوم ولا أتوقع أن تختفي غداً؛ فغالباً ما تلجأ الجهات المتضررة من النشر الصحفي إلى إطلاق هذه النعوت الجاهزة في محاولة لضرب مصداقية الخبر. لا أنكر وجود بعض الظواهر السلبية، فالصحفيون في نهاية المطاف بشر وليسوا ملائكة، لكن “الارتزاق” يظل استثناءً لا قاعدة. والحد الفاصل بين حرية الصحافة والاتهام بالعمالة هو “القضاء”؛ فمن لديه ممسك ضد صحفي فعليه اللجوء للمحكمة لتثبت نزاهة الصحفي من عدمها. الصحافة تعمل للمصلحة العامة، وهي المحرك الأساسي للاستقصاء، ونحن نوجه الزملاء دوماً بالاستمساك بالقواعد المهنية الصارمة لتفادي الوقوع في فخ الاتهامات المعلبة.

​◼ من أين تأتي أموال المنصات الجديدة؟ وهل للاتحاد سلطة لملاحقة التمويلات المشبوهة التي تدار بها غرف الإعلام؟

= من خلال رصدنا المستمر، يتضح أن جل المنصات التي تتبنى خطاب المليشيا تتبع لتيارات سياسية غرقت في مستنقع الأزمة الحالية، وتحظى بدعم من أطراف دولية كانت وقوداً لإشعال الحرب في السودان. دورنا في الاتحاد يتمثل في تعرية هذه التبعية وفضح الأجندات التي تقف خلفها عبر تقارير مهنية نرفعها للجهات ذات الصلة. المال السياسي هو المحرك لهذه الغرف الإعلامية، والقانون هو الوسيلة الوحيدة لتتبع هذه التمويلات التي تستهدف تفتيت الجبهة الداخلية والإضرار بالأمن القومي.

​◼ ما هي ثمرة تواجدكم في الاتحادات العربية والدولية؟ وهل خدمت هذه المناصب قضية الصحفي السوداني “المشرد” حالياً؟

= وجودنا في المحافل الدولية والإقليمية هو الذي جعل صوت الصحفي السوداني مسموعاً وقضيته حاضرة على الطاولة. لقد حافظنا على مقعد السودان في هذه المؤسسات، ونجحنا في تمرير تقارير دورية حول الانتهاكات الجسيمة التي يتعرض لها الزملاء. الثمرة الحقيقية هي إبقاء اسم السودان حياً في الأجندة الدولية، بجانب فتح آفاق للتدريب؛ فعلى سبيل المثال، وقعنا اتفاقاً مع شبكة “الجزيرة” لإقامة 6 دورات متقدمة، وننتظر فقط استقرار الأوضاع الأمنية بالداخل لتنفيذها، حيث اشترطت الشبكة إقامتها داخل السودان لتعميم الفائدة.

​◼ لماذا فشل إعلامنا في إقناع الخارج بحقيقة الحرب؟ وأين كان دوركم في المحافل الدولية لتوضيح وجهة نظر الدولة؟

= الحقيقة أن الإعلام السوداني تعرض لضربة قاصمة في بداية الحرب؛ فقد دُمرت المؤسسات ونُهبت المطابع، مما خلق فجوة كبيرة في نقل الرواية الوطنية للخارج. ومع ذلك، تحسن الأداء تدريجياً، والقضية السودانية الآن حاضرة في الصحافة الأمريكية والأوروبية. والمفارقة أن المعلومات التي أدانت دعم الإمارات للمليشيا بالسلاح والعتاد ظهرت في الصحافة العالمية قبل أن يتداولها الإعلام المحلي، وهذا يؤكد أن العالم يراقب ويوثق، ونحن نلعب دورنا في تزويد تلك الجهات بالحقائق المهنية الموثقة.

​◼ مقر الاتحاد بالمقرن صار أثراً بعد عين؛ فهل لديكم تصور لما حدث لممتلكات وأرشيف الاتحاد هناك؟

= المقر تعرض لتخريب واسع ويحتاج حالياً لعملية إعادة تأهيل وصيانة شاملة. لقد شكلنا بالفعل لجنة تضم زملاء من داخل وخارج السودان للإشراف على ملف إعمار الدار، وسوف يصدر قرار بتفعيل عملها ميدانياً قريباً. هدفنا هو استعادة ما يمكن إنقاذه من أرشيف ومقتنيات، وإعادة هذه المؤسسة العريقة لتمارس دورها الطبيعي من قلب الخرطوم فور استقرار الأوضاع.

​◼ الصحفيون يعانون الفقر والجوع في الداخل والخارج؛ فماذا قدمتم لهم غير البيانات والشعارات؟

= الاتحاد لم يكتفِ بالجانب المعنوي، بل تحركنا بالتنسيق مع جهات مانحة لدعم الزملاء. في مصر، قدمنا مساعدات عينية وسلالاً غذائية للصحفيين العالقين هناك، وتكرر الأمر في عدة ولايات بالداخل خاصة في مواسم مثل رمضان. نحن ندرك أن هذه المساعدات هي “مسكنات” فقط، لذا ينصب تركيزنا الأساسي على تهيئة البيئة لعودة المؤسسات الصحفية للعمل، حتى يستعيد الصحفي كرامته المهنية ومصدر دخله الثابت بدلاً من الاعتماد على المعونات.

​◼ متى سيتخلى “الحرس القديم” عن مقاعده؟ ومتى تفتحون الباب لانتخابات حقيقية تأتي بوجوه شابة تقود الاتحاد؟

= نحن الآن نعمل بصفة “لجنة تسيير” لتصريف الأعمال، ومهمتنا الأساسية هي “تنقية السجل” لضمان انتخابات نزيهة تعبر عن تطلعات الصحفيين. الانتخابات ستقام عبر الجمعية العمومية فور توفر الظروف الملائمة. وأؤكد هنا أن كل التحضيرات من خطاب دورة وميزانيات مدققة جاهزة منذ عام 2019، ونحن أكثر الناس رغبة في تسليم الأمانة لجيل جديد من الشباب يقود الاتحاد برؤية عصرية.

​◼ هل ماتت الصحافة الورقية في السودان للأبد؟ وكيف سنبني مؤسساتنا من جديد بعدما دمرت الحرب كل شيء؟

= الصحافة الورقية في السودان لم تمت ولن تموت؛ فهي مثل “طائر الفينيق” الذي يخرج حياً من الرماد. لكن لكي يتحقق هذا الانبعاث، على الدولة أن تتعامل مع الصحافة كقطاع سيادي وتمنحها معاملة تفضيلية، من خلال دعم مدخلات الإنتاج كالورق والأحبار لمدة لا تقل عن 6 أشهر، وتسهيل آليات التوزيع. المستقبل يتطلب أيضاً تطويراً رقمياً داخل هذه المؤسسات العريقة لضمان استمراريتها.

​◼ هل هناك “ضمانات” من الأجهزة الأمنية بعدم ملاحقة الصحفيين أصحاب الآراء الناقدة في هذا التوقيت الصعب؟

= في فترات الحروب، لا توجد ضمانات مطلقة، فالأجهزة الأمنية لديها تقديراتها المرتبطة بالأمن القومي. ومع ذلك، يظل المخرج الحقيقي هو “التعقل المهني”؛ فعلى الصحفي أن يوازن بين حقه في النقد وبين حساسية الموقف الوطني. نحن نسعى للوصول إلى ميثاق عمل مشترك مع أجهزة الدولة يضمن عدم الاعتساف في استخدام القانون ضد أصحاب الرأي، مع التزام الصحفيين بالمسؤولية الوطنية التي تفرضها ظروف الحرب.

​◼ باختصار.. هل ضاعت “هيبة” الصحافة السودانية في زحام الحرب والنزوح، أم أن هناك فرصة للعودة؟

= هيبة الصحافة لم تضع، بل ازدادت الحاجة إليها اليوم أكثر من أي وقت مضى؛ فالناس يبحثون عن الحقيقة وسط ركام الشائعات. الصحافة هي الضلع الأساسي في بناء الدولة السودانية القادمة، ولدينا فرصة تاريخية لنلعب دوراً محورياً في إعادة اللحمة الوطنية ونبذ خطاب الكراهية. الصحافة السودانية بكل قوالبها المقروءة والمسموعة والمرئية ستظل باقية، وهيبتها مستمدة من ثقة الشعب بها، ولن ينقضي دورها مهما عظمت التحديات.