كمال حامد يكتب: حرية الصحافة .. وهل تكسب العرجاء؟

من السبت إلى السبت

كمال حامد

حرية الصحافة .. وهل تكسب العرجاء؟

** احتفل العالم الأسبوع الماضي بما يسمى حرية الصحافة، وغلب على الاحتفال استعراض مئات بل آلاف شهداء ومعتقلي الصحافة في هذا العالم الغابة، والأعجب أن يذكر السودان حرية الصحافة، وللصحفيين السودانيين أربعة أو خمسة كيانات صحفية ما بين اتحاد إلى نقابة إلى شبكة إلى لجنة تسيير، وكل منها يقف وراءه تنظيم سياسي أو حاضنة كما هو تعبير هذه الأيام.
** المشكلة بسبب السياسة والتدخل الخارجي في الشأن السياسي، والتدخلات الخارجية التي وصلت لدرجة الخلاف بين المنظمات الدولية، إذ يعترف الاتحاد الدولي للصحافة باتحاد الصحفيين، ويشارك رئيسه الزميل الصادق الرزيقي وأمينه العام الزميل صلاح عمر الشيخ في المؤتمر الأخير هذا الأسبوع في باريس للاحتفال بمئوية اتحاد الصحفيين الدولي وانتخاب رئيس جديد السيدة لو زيانا لينيز.
** وفي الواجهة الأخرى تحتفل منظمة اليونسكو بالجسم الآخر، نقابة الصحفيين، ومنحتها درعًا وجائزة التفوق لهذا العام، ولا نعرف كيف سيتعامل اليونسكو مع الاتحاد الدولي للصحافة الذي لا يعترف بالنقابة، ويتعامل اليونسكو مع الاتحاد؟
** هذا مثال لحال الصحفيين السودانيين ونظرتهم لقيادتهم التي تحتفل بمشاركتها الجمعية العمومية للاتحاد الدولي، وأخرى تحتفل بجائزة اليونسكو، وهم يعيشون ما بين لاجئ ونازح، ودورهم مغلقة، ومعظمهم بحث عن أعمال، أي عمل يسد رمق أسرهم، حتى لو كان العمل بعربة كارو يجرها حصان أو بغل أو حمار، ومنهم من افترش الأرض لبيع الخضار، والنماذج والأسماء معروفة.
** الحال في الإذاعة والتلفزيون لا يختلف بسبب الدمار الذي ضرب المقار بسبب الحرب، ومعظم العاملين ما بين لاجئ في الخارج أو نازح في بعض المدن، ولا يتذكر أحد تطوير العمل الصحفي أو تدريب العاملين، حتى في الداخل توقفت مراكز التدريب في الإذاعة والتلفزيون، أما الصحف فلا تملك مركز التدريب حتى قبل الحرب.
** في العالم لا يتم التصديق لقيام صحيفة إن لم يكن لها (دار وشركة توزيع وشركة إعلان ومطبعة وقسم للتدريب)، ولا توجد صحيفة واحدة تمتلك هذا الخماسي الاستراتيجي، ولا حتى قبل الحرب.
** بهذا الحال المائل هل نشارك في حوار حول حرية الصحافة أو تطوير المهنة أو تقييم الصحفي ماديًا، ولو بتوفير الحد الأدنى وتسخير الإمكانيات للعمل بحرية واطمئنان، وبعض الصحف تطلب من الصحفي أن (يدبر حاله) بالبحث عن إعلانات أو جهة داعمة سياسية أو تضخيم إداري كما في الصحافة الرياضية.
** ظهرت مؤخرًا شخصيات صحفية اشتهرت بإطلاق الإشاعات وأخبار الجرائم أو التشهير والضرب تحت الحزام والاشتغال بالفضائح والابتزاز، وهؤلاء يتقاضون مرتبات عالية حتى أعلى من مرتب رئيس التحرير.
** قصدت من ذكر هذه الوقائع المؤلمة وحالنا المائل حتى لا يسأل الناس عن غياب الصحافة السودانية الراقية كما كانت في الماضي، السودان مارس الصحافة الحرة ذات المهنية العالية منذ العام ١٩٠٢م، في وقت لم تسمع معظم الدول في الإقليم حاجة اسمها صحيفة، وتتفوّق علينا حاليًا.
** لدينا عشرات بل مئات الصحفيين صنعوا لأنفسهم اسمًا ونالوا الجوائز من خلال عملهم بالخارج، وكثير من الصحف في السعودية والخليج تطلب منا ترشيح صحفيين للعمل، وكنا حتى وقت قريب يتجاوز عدد الصحفيين السودانيين غيرهم من الجنسيات الأخرى، بل أحيانًا يتفوقون على عدد صحفيين ومواطنين من نفس البلد.
** حاليًا لا يتجاوز عدد الصحفيين السودانيين في السعودية مثلًا عدد أصابع اليد، وربما العدد أكبر قليلًا في دول أخرى، ذلك أن السعودية مثلًا صارت تعتمد على أبنائها الصحفيين بنسبة مائة بالمائة تقريبًا، لأنها خططت واستفادت من الخبرات العربية ومن كليات الإعلام التي يعمل فيها زملاء عرب وسودانيون.
تقاسيم تقاسيم تقاسيم
** بدأت المفاوضات الأمريكية الإيرانية في إسلام آباد رغم إعلان طهران: لا مفاوضات تحت التهديد، وتمت المفاوضات وتحول التهديد إلى حصار كامل، وبدأت المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية رغم إعلان لبنان: لا تفاوض، وإسرائيل تعتدي على بعض القرى، وتتواصل المفاوضات، وتحولت إسرائيل إلى اجتياح الجنوب كله وأجزاء من الضاحية الجنوبية في بيروت العاصمة نفسها.
** إيران ولبنان تخضعان للهيمنة الأمريكية الترامبية الإسرائيلية التي صارت الأمر الناهي في المنطقة، تذكرت ما ظل يردده الرئيس البرهان: لا تفاوض مع المليشيا التي تسيطر على أجزاء من دارفور، والخوف أن يضطر الرجل إلى قبول التفاوض وقد فقدت حكومته كل دارفور، وليس أجزاء، بل وأضافت مدن النهود وأبو زبد والخوي وبارا إضافة إلى كاودا في كردفان، ثم الكرمك في النيل الأزرق تحت ضغط الهيمنة إياها.
** (المتغطي بأمريكا عريان) مقولة انتشرت مؤخرًا، وبعد الهيمنة الأخيرة والتدخل الأمريكي الفاضح في بعض سياسات الدول مثل اعتقال رئيس فنزويلا واختيار رئيس وزراء العراق، وفي ظل الصمت الدولي حتى من بعض الدول الكبرى، فقد تكون المقولة (المتغطي بروسيا والصين عريان ملط).
** أحرص على قراءة صحيفة الشرق الأوسط لإحساسي وعلمي بمصداقيتها، لأنني عملت بها ١٤ سنة كاملة في مكاتبها بجدة والدمام والرياض والخرطوم، ولكن للأسف قرأت أمس تقريرًا عن السودان يخصم من مصداقيتها بعنوان (مطار الخرطوم خارج الخدمة) بصورة كبيرة عن الدخان المتصاعد، وهي صورة قديمة منذ أبريل ٢٠٢٣م، والخبث واضح مع حقيقة أن المطار مغلق بسبب مسيّرة لم تصب المطار، إنما أصابت منزلًا في حي بري المجاور، وتوقفت حركة الطيران كإجراء طبيعي، لتستأنف ابتداءً من اليوم السبت.
** أسمع منذ أكثر من عام عن إجراءات لتبديل العملة الورقية السودانية القديمة بأخرى طبعة جديدة، وحسب معرفتي المتواضعة أن عملية تبديل العملة تتم في توقيت واحد، ويجري حصر العملات القديمة وتسجل، ويجري حرقها في مشهد منضبط يطلق عليه (حريق العملة)، ويضرب به المثل، ولم نلحظ شيئًا من هذا حاليًا، ولا يزال التبديل مستمرًا منذ العام ٢٠٢٥م.
** كتبت الأسبوع الماضي مشيدًا بإجراءات امتحانات الشهادة السودانية وما صحبها من انضباط ومراقبة في ١٥ دولة، وتسهيل نقل بعض الطلاب والطالبات من دارفور وتشاد، وبلغ عدد الممتحنين أكثر من نصف مليون، وشاهدت يومًا للامتحانات في شرق السعودية جلس فيه ألف ومائتان طالبًا وطالبة، وكتبت مشيدًا بما رأيت، ثم شاهدت ختام الامتحانات في الرياض، وجلس بها ثلاثة آلاف وخمسمائة طالب وطالبة، وكان نفس النجاح والانضباط ومشاركة البعض مع السفارة، لهم التحية.
** تم الإعلان في السعودية وتركيا عن عودة قطار السكة الحديد مرورًا بسوريا والأردن حتى إسطنبول ليلتقي عند جسر البوسفور مع القطار الأوروبي الذي يربط معظم المدن الأوروبية حتى ساحل بريطانيا الجنوبي مرورًا بنفق المانش حتى محطة فكتوريا التاريخية في قلب لندن، العالم يمضي ونحن قلوبنا مع إدارة سكك حديد السودان التي تسعى لإصلاح ما أصاب الخط الحديدي من عطبرة لوادي حلفا ومن عطبرة إلى بورتسودان.
** أعلنت ولاية الخرطوم عن افتتاح معرض الخرطوم الدولي، ليس لأحد دوراته، إنما لما تم الحصول عليه من ممتلكات الناس المسروقة خلال الحرب، وأعجب كيف يسترد البعض ممتلكات معظمها متشابهة وليس عليها علامات أو أرقام، كما أن نصف سكان العاصمة لم تكتمل عودتهم، الأمر يبدو أكثر غرابة مما أعلن عن حصر العربات والمركبات، لأن بها رقم لوحة ورقم الهيكل، وهذا غير موجود في الأجهزة الأخرى.
** الاسم: الأحساء عبد العزيز الشعيبي، كان مدير مكتب رعاية الشباب بالأحساء في الثمانينيات وصديقًا عزيزًا، سألت عنه وقيل إنه توفي، نعيته في مقالي عن الأحساء، اتصل بي اليوم بادئًا (معاك المرحوم عبد العزيز الشعيبي)، وتحسر أننا لم نلتقِ، وأشاد بنشاط الجالية السودانية، ليتهم يتواصلون معه، بمن فيهم ذلك الذي تطوع بالإجابة على سؤالي عنه بأنه في عداد الأموات.
** تمر علينا هذا الشهر ذكرى رحيل بعض أحبابنا من مشاهير أهل الرياضة والفن، أحدهما الفنان الكبير أمير الأنشودة الوطنية حسن خليفة العطبراوي الذي توفي في السادس من مايو عام ٢٠٠٧م، وشيع في مدينته وعشقه عطبرة في موكب حاشد لا مثيل له، والآخر النجم المحبوب لاعب الهلال والي الدين محمد عبد الله الذي لفظ آخر أنفاسه بمستشفى القلب بالخرطوم، وشيع إلى مدينته الحوش بالجزيرة، رحمهما الله ورحم جميع موتانا. إنا لله وإنا إليه راجعون.
** قد نلتقي السبت القادم إن كان في البدن صحة وفي العمر بقية.