نميري والقضاة .. الإضراب الأشهر

وثائق سودانية

نميري والقضاة .. الإضراب الأشهر

بقلم: صلاح الدين عبد الحفيظ

بتاريخ 17 أكتوبر 1982 لجأ القضاة في كل أنحاء السودان لرفع مذكرة لرئيس الجمهورية جعفر نميري لتحسين شروط خدمتهم عبر عدد من المطالب التي لم يستجب لها نميري، فكان إضرابهم الأشهر.
فتصاعدت المواجهة بين القضاة المضربين والسلطات الأمنية التي أقدمت على اعتقال أربعة من القضاة وسبعة من المحامين، من بينهم عبدالله صالح وعلي محمود حسنين وأبو جديري وآخرون، في خطوة زادت من حدة التوتر داخل الأوساط القانونية.
وجاءت هذه التطورات عقب اجتماع الجمعية العمومية للقضاة، حيث جدد القضاة المضربون رفضهم العودة إلى العمل، وأكدوا تمسكهم بمطالبهم، وفي مقدمتها إقالة رئيس القضاء صلاح شبيكه، وفتح تحقيق في الاتهامات التي أثارها الرئيس جعفر نميري ضد بعض القضاة، والتي تضمنت اتهامات بالفساد والرشوة. وقد ناقش الاجتماع تطورات الأزمة القائمة بين القضاة والحكومة، وقرر بالإجماع الاستمرار في الإضراب ورفض العودة إلى العمل.
وفي المقابل، واصلت الحكومة تصعيدها، إذ صدر عن نائب الرئيس السوداني ورئيس اللجنة الخاصة المكلفة بملء الأماكن الشاغرة في الجهاز القضائي بيان يفيد بأن الرئيس نميري وجّه بالاستمرار في شغل مواقع القضاة المضربين بقانونيين من ذوي الخبرة، في مسعى لضمان استمرار عمل المحاكم.
وكان نميري قد أصدر أمرًا إلى القضاة الذين أعلنوا الإضراب – احتجاجًا على إقالة عدد كبير من زملائهم – بضرورة استئناف العمل، ملوحًا باتخاذ إجراءات ضد كل من يرفض. وكانت تقارير صحفية قد ذكرت أن الرئيس أقال 19 قاضيًا ضمن حملة وصفها بأنها تستهدف “العناصر الفاسدة” في السلك القضائي.
وتستند الرواية الرسمية لهذه الحملة إلى حادثة وُصفت بأنها ذات دلالة عميقة، حيث قام مغترب سوداني في إحدى دول الخليج بإيداع مبلغ 22 ألف دولار لدى شخص لتسليمه إلى ذويه في السودان، إلا أن الأخير لم يقم بذلك. وعندما رفع المتضرر دعوى خيانة أمانة، صدر حكم بسجن المتهم عدة سنوات، غير أن أحد أقاربه تدخل وأقنع أحد كبار القضاة باستخدام نفوذه للإفراج عنه، وهو ما تم بالفعل.
وبحسب المصادر، تمكن الشاكي لاحقًا من الوصول إلى الرئيس نميري وإبلاغه بالواقعة، مما دفعه إلى تكليف أجهزته الأمنية بمراقبة القاضي المعني، إلى أن تم ضبطه في موقف لا يتناسب مع مكانته، فصدر قرار بطرده، وهي الحادثة التي قيل إنها نبهت الرئيس إلى ضرورة “تطهير” الجهاز القضائي.
وترى الحكومة أن اتهامات نميري لبعض القضاة ليست جديدة، بل تأتي في إطار برنامجه للولاية الرئاسية الثالثة، والذي تضمن بندًا خاصًا بإصلاح القضاء ضمن ما يسمى “استراتيجية العدالة الناجزة”، الهادفة إلى تسريع الفصل في القضايا ومنع التلاعب بها عبر الرشوة أو غيرها من مظاهر الفساد. وقد عبّر نميري عن هذا التوجه في خطاب جماهيري بمدينة الفاشر، هاجم فيه الجهاز القضائي بصورة علنية.
غير أن القضاة والمحامين يقدمون رواية مختلفة، إذ يشيرون إلى أن جذور الأزمة تعود إلى توترات متراكمة مع السلطة التنفيذية. ويقول أحد كبار القضاة إن الخلافات بدأت عندما طالب القضاة بإنشاء دار خاصة بهم تكون بمثابة نادٍ اجتماعي، نظرًا لطبيعة عمل القاضي التي تفرض عليه قيودًا اجتماعية عديدة. وقد تقرر افتتاح هذه الدار في 21 أكتوبر 1982، وهو تاريخ يوافق الذكرى الثامنة عشرة لثورة 21 أكتوبر 1964، التي لعب فيها القضاة دورًا بارزًا بمسيرتهم الشهيرة من دار القضاء إلى القصر الجمهوري لمطالبة الفريق إبراهيم عبود بالتنحي.
غير أن جهاز الأمن اعتبر اختيار هذا التاريخ ذا دلالات سياسية، ورأى فيه نوعًا من التحريض، وعارض الافتتاح بشدة. وعلى الرغم من إصرار القضاة وافتتاح الدار بالفعل، إلا أن السلطات سارعت إلى إغلاقها فورًا وسحب مفاتيحها بعد انتهاء مراسم الافتتاح مباشرة، مما زاد من حدة الاحتقان.
ولم تكن أزمة “دار القضاة” السبب الوحيد في التوتر، إذ سبقتها مطالب مهنية تقدم بها القضاة لتحسين أوضاعهم الوظيفية ومرتباتهم، حيث شكلوا لجنة من اثني عشر قاضيًا لمتابعة هذه المطالب لدى الحكومة. ومع عدم الاستجابة، دعت اللجنة إلى إضراب شارك فيه نحو 500 قاضٍ من أصل 502، ما أدى إلى توقف شبه كامل للعمل القضائي، قبل أن يتم رفع الإضراب لاحقًا بعد تعهد السلطة التنفيذية بإعادة القضاة المفصولين.
غير أن هذا الإضراب لم يكن البداية، إذ يشير القضاة إلى أن جذور الأزمة تعود إلى سنوات سابقة، عندما قرر بابكر عوض الله، رئيس القضاء الأسبق ورئيس الوزراء بعد انقلاب مايو، إلغاء النظام القانوني القائم على المدرسة البريطانية (القانون العام)، واستبداله بالنظام المدني المستوحى من المدرسة الفرنسية، كما هو معمول به في مصر وسوريا ولبنان. وقد أثار هذا التغيير ارتباكًا واسعًا بين القضاة والمحامين والمتقاضين، قبل أن يتم التراجع عنه لاحقًا والعودة إلى النظام السابق.
ومع مرور السنوات، وتولي خلف الله الرشيد منصب رئيس القضاء (النائب العام) منذ عام 1972 وحتى 1982، يرى بعض القضاة أن هذه الفترة كانت من أصعب الفترات التي مر بها القضاء السوداني، حيث تم خلالها إقحام القضاة في النشاط السياسي، مع السماح لهم بالانضمام إلى الاتحاد الاشتراكي السوداني والمشاركة في فعالياته، بل وإنشاء فرع للتنظيم داخل دار القضاء نفسها، التي كانت تقليديًا بعيدة عن أي نشاط سياسي.
كما يشير قانونيون إلى أن عدد القضايا الدستورية التي تم الفصل فيها خلال تلك الفترة لم يتجاوز سبع قضايا فقط، في وقت كان فيه بعض المحامين يواجهون صعوبات في رفع دعاوى دستورية بسبب منشورات قضائية حدّت من قبول القضايا الموجهة ضد الشرطة.
وفي ظل هذا المناخ، تصاعدت الشكوك المتبادلة بين الحكومة وبعض القضاة، خاصة بعد الإضرابات المتكررة، حيث اعتبرت تقارير أمنية أن الإضراب القضائي يشكل خطرًا نظرًا لاحتمال التفاف الشعب حول القضاة. بل نُقل عن أحد أعضاء لجنة القضاة قوله إنه لو أُتيح لهم عزل بعض زملائهم لفعلوا ذلك بأنفسهم، في إشارة إلى وجود انقسامات داخلية.