حسين خوجلي يكتب: حكاية الراعي الواعي

حسين خوجلي يكتب: حكاية الراعي الواعي

شهدتُ جلسةَ حوارٍ حول ضرورة تواصل الجماهير مع المثقفين والساسة، وبالرغم من أنني جئتُ مستمعًا، إلا أن مقدم الجلسة ومدير الحوار طلب مني التعليق، فأفسد عليَّ متعة مهنة الصحفي من مقاعد المتفرجين. ولم يكن هنالك مجال للاعتذار، خاصةً وأنني لم أكن مستعدًا للمناقشة، ولكن بيت الضبع لا يخلو من العظام.
قلتُ معلقًا: إني أعترض على عنوان مبادرة الحوار، فكان الأجدى أن يكون (ضرورة تواصل المثقف والسياسي مع الجماهير)، ففي ظني أن كل الشعوب التي نهضت كان سبيلها الأول للنهضة هو في تواضع قادتها ونزولهم من عرش الوظيفة إلى تراب الجماهير، لما تملكه من عبقرية الفطرة وخصيب التجارب، مما يتجاوز كل ادعاءات التكنوقراط ومزاعم الأفندية لهذه الأستاذية الكذوب.
واستدللتُ بحكاية الفقهاء الذين ضلوا طريقهم في بيداء مجدبة، وقد انقطع عنهم الماء والطريق، وكانت فرحتهم عامرة حين رأوا على البعد خيمةً لبدوي نُصبت في قلب الصحراء. خيمةٌ ورجلٌ وناقة. استقبلهم في بشاشة، وقدم له الماء واللبن والتمر، وأذهب عنهم الوحشة والخوف والعطش والجوع، وبدؤوا يتسامرون معه، وقد أعجبهم كرم الرجل وأريحيته ولطفه، رغم قسوة الطبيعة التي يعيش فيها.
قال له أحدهم: هل تعرف يا أخا العرب كيف تدعو الله؟ قال: نعم. قالوا: كيف؟ فقال: إني أدعوه في دبر كل صلاة: اللهم يا من منحتنا الإسلام دون أن نسألك، نسألك أن تمنحنا الجنة ونحن نُلِحُّ في السؤال.
ورغم علمهم وفقههم، فقد أخرستهم الإجابة، فطلبوا منه أن يصحبهم إلى الحضر ليصبح شيخًا لهم وإمامًا، فقال مبتسمًا: خذوا زادكم وانصرفوا، فإني على عجلٍ من أمري، فلي عنيزات من وراء ذلك الوادي تنتظرني للسقيا.
*حسين خوجلي*