أزمة تيغراي .. انهيار اتفاق بريتوريا يهدد إثيوبيا

أزمة تيغراي .. انهيار اتفاق بريتوريا يهدد إثيوبيا

تقرير: الهضيبي يس

يُعتبر إقليم تيغراي – الواقع شرق العاصمة الإثيوبية أديس أبابا – أحد أهم وأبرز المواقع الجغرافية بمنطقة القرن الأفريقي خلال (5) سنوات الماضية، ويجيء اكتساب الإقليم لهذه الميزة من حيث التضاريس الجغرافية وبشرياً، وهو ما دفع أهالي وسكان ثاني أكبر إقليم إلى الالتحاق بمعسكرات التدريب وحمل السلاح ما بعد العام 2017، أي عند لحظة اندلاع أول مواجهات عسكرية بين الجيش الفيدرالي وقوات إقليم تيغراي انطلاقاً من عاصمة الإقليم مكالي. بينما شكّل اتفاق جنوب أفريقيا نقطة فارقة هو الآخر عقب وساطة قادها الاتحاد الأفريقي ومنظمة (الإيقاد)، حيث أفضى التفاوض إلى توقيع اتفاق سياسي عسكري بين الحكومة الفيدرالية بإثيوبيا وقيادة جبهة تحرير تيغراي، تم بموجب ذلك وقف لإطلاق النار والشروع في تنفيذ اتفاق لتقاسم السلطة على مستويات الحكم المختلفة. وإقليم تيغراي هو الإقليم الذي ينتمي له رئيس الوزراء الأسبق الراحل مليس زيناوي.

 

 

جغرافياً فإن إقليم تيغراي فهو مجاور شرقاً لدولة السودان عند منطقة الفشقة التابعة لولاية القضارف، والتي كثيراً ما تشهد مناوشات واضطرابات أمنية مع حلول نهايات فصل الخريف ودخول فصل الشتاء نتيجة لما تتمتع به المنطقة من أراضٍ زراعية خصبة، حيث يتم زراعة محاصيل الذرة والسمسم ومحصول عباد الشمس، بينما تنشط خلال تلك الفترة ما يُعرف بعصابات (الشفتة)، وهم مجموعة من قطاع الطرق يقومون بترصد المزارعين ونهب وسلب محاصيلهم ومواشيهم.
بينما الوضع الآن فإن إقليم (تيغراي) – قد شهد تطورات أمنية متسارعة خلال الأسبوع المنصرم، بدأ بإعلان تجميد اتفاق دولة جنوب أفريقيا إثر اندلاع المواجهات العسكرية مجدداً بين الطرفين، مما أسفر عنه تبادل لإطلاق النار، فقد نفذ الطيران العسكري عدة ضربات جوية بحق مواقع تتبع لمقاتلي إقليم تيغراي عند العاصمة مكالي، بينما استهدفت الطائرات بدون طيار (المسيّرات) مناطق عسكرية قال مقاتلو جبهة تحرير تيغراي إنها تتبع للجيش الإثيوبي.
إنسانياً شكّل تكدس آلاف المواطنين الإثيوبيين من إقليم (تيغراي) عند الشريط الحدودي ما بين إثيوبيا والسودان عند مناطق الفشقة وكركاب وقضيمة في رحلة لجوء لدخول الأراضي السودانية، وهو ما دفع السلطات في (السودان) إلى عقد اجتماع أمني طارئ لبحث تطورات الأوضاع في حدود البلاد الشرقية والتحسب لأي طارئ قد يحدث، ما حدا بوزارة الخارجية السودانية إلى مناقشة الأمر مع مسؤول المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة وحثها على توضيح مجريات الحقائق للعالم نتيجة ما يحدث داخل إثيوبيا وحجم الاحتياجات الإنسانية المتوقع توفرها.
ووفقاً لتوقعات مفوضية العون الإنساني في السودان، فإن تدفق اللاجئين الإثيوبيين عبر الحدود الشرقية مع دولة إثيوبيا بحلول منتصف شهر أغسطس الجاري من أبرز المؤشرات ما يستدعي رفع وتيرة الاستعداد وإشراك كافة المنظمات العاملة في الحقل الإنساني بحقيقة هذا الأمر وكيفية مجابهة أي تداعيات إنسانية لها أبعاد صحية وأمنية واقتصادية.
ويؤكد الباحث في شؤون منطقة القرن الأفريقي عباس محمد صالح – أن ما حدث الآن في إثيوبيا ينبئ بانهيار اتفاق بريتوريا للسلام لعام 2018م الموقع بين جبهة تحرير تيغراي والحكومة الفيدرالية في أديس أبابا، سيما وأن تداعيات ومآلات ما يجري الآن ستكون أعنف من حرب المواجهات العسكرية التي جرت ما بين عامي 2016 – 2017، لأن طبيعة بدء المعارك الآن لم تبدأ بالأسلحة التقليدية أو الخفيفة، إنما باستخدام سلاح الطيران، ما يعني نوايا الجيش الإثيوبي في تجفيف كافة منابع وتجمعات مقاتلي إقليم تيغراي العسكرية والقضاء عليها بأسرع ما يمكن حتى لا تتحول لمنصات لتهديد بقية الأقاليم الإثيوبية كما حدث في أوقات سابقة.
ويضيف عباس – كذلك إن إنهاء أي عمل عدائي بالنسبة للجيش الإثيوبي هو تحقيق قدر كبير من الاستقرار السياسي والاجتماعي والعسكري لإثيوبيا، باعتبار أن انتخاب رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد قد تم تجديد انتخابه فقط قبل نحو شهر من الآن، فمن الملاحظ أنه يدخل الدورة الجديدة وفق جملة سياسات وبرنامج انتخابي بُني على توسعة التنمية والعلاقات الخارجية والتسليح الحربي وإنهاء مظاهر الفقر والعدالة الاجتماعية، ما يعني أن عودة شبح (الحرب) مجدداً هو انهيار لبرنامج الحكومة ومن يقودها.
وزاد: وعن ما يتصل بشأن السودان فهو أيضاً سيتحمل قدراً من فاتورة تطورات هذه الأحداث في الداخل الإثيوبي، بدءاً من زيادة حجم مستوى الضغط الأمني وسط ما يعيش فيه من (حرب)، علاوة على أن الأمر لم يعد أمنياً متعلقاً بالحفاظ على البعد العسكري فقط، بل هناك عصابات الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر وكذلك انتشار الأوبئة والأمراض الناقلة، وكافة هذه المسائل تعتبر من المهددات والمخاطر التي قد يتعرض لها السودان، مما يفاقم حجم المعاناة في الداخل السوداني ويطالبه بوضع معالجات يصعب توفير احتياجاتها على المدى البعيد.