
جبال النوبة تنقلب على الحلو .. تحالف الجنجويد يشعل الثورة
جبال النوبة تنقلب على الحلو .. تحالف الجنجويد يشعل الثورة
تقرير: مجدي العجب
حينما تنقلب التحالفات على أصحابها، يصبح الشارع أول من يرفع صوته رفضاً، وتتحول البنادق التي قيل إنها جاءت للحماية إلى مصدر للخوف والقلق. هذا ما يبدو أنه يحدث اليوم في جنوب كردفان، حيث لم يعد الجدل حول قيادة الحركة الشعبية – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو يدور داخل أروقة السياسة أو المعسكرات العسكرية فحسب، بل انتقل إلى القرى والفرقان وساحات المجتمعات المحلية، التي بدأت تعلن، بدرجات متفاوتة، رفضها للتحالف الذي جمع الحركة بقوات الدعم السريع، وما ترتب عليه من تداعيات أمنية وإنسانية وسياسية ألقت بظلالها على الإقليم بأكمله. ففي الوقت الذي كانت فيه قطاعات واسعة من أبناء جبال النوبة تنظر إلى الحركة الشعبية باعتبارها معبّرة عن تطلعات المنطقة، وجد كثيرون أنفسهم أمام واقع مختلف، بعد دخول مليشيات الدعم السريع إلى مناطق نفوذ الحركة، وهو تطور أسهم في تعميق معاناة المدنيين، وأثار مخاوف من انتقال الحرب إلى داخل المجتمعات المحلية بصورة أكثر تعقيداً، في ظل اتهامات بوقوع انتهاكات وانعكاسات إنسانية زادت من حدة الاحتقان الشعبي.
ولم يتوقف أثر هذا التحالف عند حدود العلاقة بين الحركة والمجتمع، بل امتد إلى بنيتها الداخلية، حيث تتزايد المؤشرات على وجود انقسامات وخلافات بين قيادات وكوادر الحركة الشعبية – شمال، وسط اعتراضات على الخيارات السياسية والعسكرية التي انتهجتها القيادة. ويرى متابعون أن هذه الخلافات لم تعد مجرد اختلاف في وجهات النظر، وإنما تعكس أزمة ثقة متنامية قد تؤثر في مستقبل الحركة وتماسكها التنظيمي.
وتبدو كاودا، التي ارتبط اسمها لسنوات بالمركز السياسي والعسكري للحركة، واحدة من أبرز ساحات هذا التحول، مع تصاعد أصوات رافضة لاستمرار النهج الحالي، في مشهد يعكس تغيراً لافتاً في المزاج العام داخل بعض المجتمعات المحلية. وبين ضغط الشارع، والانقسامات الداخلية، واستمرار تعقيدات المشهد العسكري، يواجه عبد العزيز الحلو اختباراً بالغ الصعوبة، قد لا تحدده نتائج المعارك وحدها، وإنما قدرة قيادته على استعادة ثقة القواعد التي شكّلت لعقود ركيزة مشروعه السياسي.
تفكك الحركة الشعبية
وقالت القيادية بجبال النوبة، العضو السابق بالحركة الشعبية – شمال جناح الحلو، عالية أبونا، إن عبد العزيز الحلو يواجه اليوم واحدة من أصعب المراحل في مسيرته السياسية والعسكرية، بعد أن أدت خياراته الأخيرة، وفي مقدمتها التحالف مع الجنجويد. وأضافت أبونا، في حديث لـ”ألوان”، أن الحلو لم يكن موجوداً بكاودا منذ عدة سنوات، وهذا التحالف الذي هو ضد مشروع أبناء الجبال وحّد المجتمع المحلي ضد عبد العزيز الحلو. وزادت بالقول إن أخطر ما يواجه الحلو ليس فقط التطورات العسكرية، وإنما تصاعد حالة التململ داخل قواعد الحركة، وكشفت عن خلافات وانشقاقات بين بعض القيادات والأعضاء اعتراضاً على مسار القيادة. وأكدت أن أي حركة مسلحة تفقد تماسكها الداخلي وتبتعد عن حاضنتها الاجتماعية تصبح أكثر عرضة للضعف، مهما امتلكت من قدرات عسكرية.
الحلو في وجه العاصفة
فيما وصف الأكاديمي والمحلل السياسي د. محمد تورشين تحالف الحلو – الجنجويد بالهش، وقال في حديثه لـ”ألوان”: هذا تحالف صنعته الإمارات بالمال السياسي، ولكن وجد الحلو نفسه في مواجهة مجتمع جبال النوبة الذي ثار ورفض بقوة دخول الجنجويد إلى مجتمعاتهم، وكشف أن هذا التحالف أفقد الحركة الشعبية – شمال الكثير، فقد تشظت بسبب الحركة، وأصبح الحلو وبمعيته عدد قليل، أما البقية فخرجوا ووقفوا إلى جانب المواطنين في الجبال، وأصبحوا يصطفون مع الجيش. وزاد في حديثه لنا قائلاً: إن التحولات التي تشهدها جنوب كردفان لم تعد مجرد انعكاس لتطورات الميدان، بل أصبحت مؤشراً على أزمة سياسية تعصف بالحركة الشعبية – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو.
جبال النوبة في مواجهة الحلو
قد تبدو جنوب كردفان أمام مرحلة مفصلية تتجاوز الحسابات العسكرية إلى سؤال أكبر يتعلق بمستقبل المشروع السياسي للحركة الشعبية – شمال. فكلما اتسعت دائرة الجدل حول خيارات القيادة، وازدادت الضغوط من داخل الحاضنة الاجتماعية، أصبحت قدرة الحركة على الحفاظ على تماسكها موضع اختبار. وبين أصوات ترفض استمرار النهج الحالي، وأخرى تدعو إلى مراجعة المسار، يجد عبد العزيز الحلو نفسه أمام واقع أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. فالتاريخ السياسي للحركات المسلحة يبين أن أخطر التحديات لا تبدأ عندما يتقدم الخصوم في الميدان، وإنما عندما تتراجع الثقة داخل الصفوف التي شكّلت يوماً مصدر القوة والشرعية، وعندها تصبح خسارة الحاضنة الشعبية أشد وطأة من خسارة أي موقع على الأرض.
