
ما بينهما.. أبو داوود وبرعي محمد دفع الله
ما بينهما.. أبو داوود وبرعي محمد دفع الله
بقلم: صلاح الدين عبد الحفيظ
كان يوماً صيفياً من أيام شهر مايو من العام 1950، وكان السمر بمنزل فسيح بحي الموردة الأمدرماني في منزل الدكتور حداد عمر كروم، الذي كان حفياً كريماً مع أهل الغناء، وبصحبته جاره بالحي الشاب الموهوب عزفاً على آلة العود العبقري برعي محمد دفع الله. يومها كان ضيف السمر فنان زاهد في الظهور الإعلامي لانشغاله بالعمل ساعات طوال بالمطبعة الأشهر في تاريخ سودان الثلاثينات وحتى الستينيات مطبعة ماكروكوديل، وهو فيما بعد وبعد هذه الجلسة السمرية أصبح فناناً مهولاً. داخل هذه الجلسة تغنى أبو داوود بأغنيات الحقيبة بمصاحبة عود العبقري برعي، لتصبح هذه الجلسة الفنية ذات اتصال لأربع وثلاثين عاماً انتهت في مثل هذا اليوم من العام 1984 بوفاة العملاق أبو داوود.
أربع وثلاثين عاماً كان نتاجها اثنين وثلاثون لحناً من برعي لأبو داوود، وسبعة عشر رحلة فنية خارجية، وسبع مقابلات إذاعية، وحوارين تلفزيونيين ضاعا من أرشيف التلفزيون بسبب الإهمال، وعلاقة ظلت داخل الأسرتين بصورة جعلت حتى الآن الأحفاد في تواصل ومحبة.
في علاقة الاثنين تبرز حالة التوافق في تجويد الغناء ومحبة الفن، ويظهر ذلك في توافق مذهل ما بين صوت أبو داوود وعزف برعي على آلة العود، فلك أن تستمع لأغنيات مثل صبابة وهل أنت معي وفينوس وغيرها لآلة العود وتموجات صوت أبو داوود لتعلم أن التوافق بين اثنين هبة ربانية.
الاثنان من معالم الغناء السوداني ومن أبرز ثنائياته الفريدة.
ومن عجب فبعد وفاة أبو داوود ظل برعي ليس بعيداً عن عالم الغناء، بل مقلاً في ظهوره، ولربما لعدم اقتناعه بصوت يوازي صوت رفيق عمره أبو داوود.
الاثنان جعلا للغناء طعماً ونكهة خالصة اسمها توافق الأرواح ومحبتها.
الاثنان عاشا لأجمل السمات الإنسانية، فأبو داوود عاش يوزع الضحكات والقفشات لكل الناس، وبرعي دفع الله عاش بمحبته للناس مقدماً الخير لهم بابتسامته الصافية.
الاثنان لن يتكررا، ويكفي أن كل أغنيات أبو داوود كان برعي وجوداً بها، وكل حياة وسكنات أبو داوود ارتبطت ببرعي دفع الله.
