الكاميرا الجارحة .. الإمام حسن البصري في ضواحي الخرطوم

*الكاميرا الجارحة*

*الإمام حسن البصري في ضواحي الخرطوم*

 

حيثما مددت بصرك في كل عواصم الاستكبار العالمي ابتداءً ومرورًا بلندن وباريس وتل أبيب وأبوظبي وأديس أبابا وجوبا وأنجمينا وبانقي وبنغازي، نعم كلما مددت البصر انتصب أمام كل هذه العواصم حجّاج وسفّاح وغادر ومتآمر وقاتل وملحد وحاسد ولص. قلوبهم شتى بيد أنهم اتفقوا شرًّا على هذه الأرض الطيبة وهذا الشعب الباسل الشجاع الصابر، الذي غرسوا في صدره في جنح الليل خناجرهم المسمومة، لكنه استعصم بقضيته وتأبى عليهم وحرمهم من رؤية الراية البيضاء. صحيح أن كل عائلة في السودان وكل فتى وكل صبية بل كل طفل إما أنه يقاتل أو أنه يحدث نفسه بقتال.
وبمعايير الدنيا فليس لنا عددٌ يواجه كل هؤلاء الأوغاد، ولا سلاحٌ يصادم كل هذا العتاد، ولا معونة تواجه ملايين الربا الحرام، ولكن تبقى فضيلة الدعاء، هذا السلاح الذي لا ترد فعاليته، وليس بينه وبين السماء حجاب. فلترتفع الأكف في السحر، وجوف الليالي، مضمخة بدموع الثقات الركع السجود، فهذه أرض ينبت فيها الصالحون كما ينبت النخيل، وتثمر السنابل. هي دعوة ستبلغ مداها لأن كل هذا الشعب من ذراري الإمام المجاهد الفقيه حسن البصري، فقد قيل في الأثر إنّ الإمام تصدى في مجالس علمه ومنابره لظلم السفاح الحجاج وشاعت ثورته الناصحة وسط الجماهير، فارتعد الطاغية، وقد نقلت له عيونه وجواسيسه كلمات الإمام الفياضة بالحق والإيمان والهداية، فأرسل له جلاوزته، واقتادوا الشيخ الصالح وقد أعدوا النطع والسياف، ومن المعلوم أن القتل وسفك الدماء أدنى مواهب الثقفي. فلما قدم على مجلسه كان جبينه في السماء وأنفه مفعم بالأنفة والرفعة وكبرياء المؤمن فلما رأى مشهد النهاية المحتومة لم يرتعد ولم ينهَرْ لكنه تمتم بكلمات خفيضات غيرت المشهد تمامًا وأسدلت الستار على مسرح الجريمة البشعة القادمة. ووسط ذهول الحراس قام السفاح الحجاج مضعضع القلب والساعد، كسير الوجه، وأطبق على يد الشيخ العابد مقبلًا وأجلسه إلى جواره في سريره القشيب ولاطفه وسأل منه النصيحة والإخاء كأن شيئًا لم يكن.

خرج الإمام المجاهد فتبعه قائد حراسة الحجاج، وسأله متلهفًا ومتعجبًا: يا أبا سعيد لقد دعاك الحجاج لغير ما فعل بك… وإني رأيتك قد حركت شفتيك عندما أقبلت عليه فماذا قلت؟ فرد عليه الحسن البصري: لقد قلت: اللهم إن في تدبيرك ما يغني عن الحيل، وفي كرمك ما هو فوق الأمل، وفي حلمك ما يسد الخلل، وفي عفوك ما يمحو الزلل، اللهم يا ولي نعمتي، ويا ملاذي عند كربتي، ويا مؤنسي في وحدتي، اجعل ما أخافه وأحذره بردًا وسلامًا على قلبي، كما جعلت النار بردًا وسلامًا على إبراهيم.
عزيزي القارئ، إذا بلغتك هذه الأسطر المضمخة بندى دعوة البصري فنسألك بالله أن ترسلها إلى كل صالحي بلادنا ممن تعرف أو ممن تؤمل فيه الخير فهذه دعوة لا ترد وسؤال ليس بينه وبين الواهب العظيم من حاجب أو ستار وهو السلاح النووي الوحيد الذي يصنع الانتصار دون أن يسجل الشعب السوداني في خارطة التاريخ هيروشيما أو ناجازاكي جديدة.

*حسين خوجلي*