
السودان يودّع نفيسة المليك بعد عقود من التعليم والنضال من أجل المرأة
الخرطوم: ألوان
غيب الموت، اليوم، الأستاذة نفيسة أبو بكر المليك، إحدى أبرز رائدات التعليم والعمل العام في السودان، بعد حياة امتدت لنحو خمسة وتسعين عاماً، كرّست جانباً كبيراً منها للتعليم، وخدمة المجتمع، والدفاع عن حقوق المرأة والمعلمة، لتترك وراءها سيرة حافلة أصبحت جزءاً من تاريخ الحركة التعليمية والنسائية في البلاد. وقد رحلت في دولة الإمارات العربية المتحدة، تاركة إرثاً من العطاء امتد لأكثر من سبعة عقود.
وُلدت نفيسة أبو بكر المليك بمدينة رفاعة عام 1932، ونشأت في أسرة ارتبط اسمها بالتعليم الأهلي، إذ كان والدها الشيخ أبو بكر المليك من رواد تعليم البنات في السودان. وتنقلت في مراحل تعليمها الأولى بين رفاعة وبورتسودان والخرطوم بحري بحكم تنقلات والدها، قبل أن تكمل تعليمها الأوسط في مدرسة أم درمان الوسطى للبنات، ثم تلتحق بكلية المعلمات وتتخرج فيها معلمة مؤهلة.
وفي سن مبكرة للغاية بدأت نفيسة المليك طريقها في التعليم، حتى عُرفت بأنها من أصغر المعلمات السودانيات؛ فقد عملت في مدارس محو الأمية وهي في الرابعة عشرة من عمرها تقريباً، قبل أن تلتحق عام 1947 بكورس تأهيلي بكلية المعلمات للعمل في المدارس الوسطى. ومن هناك بدأت رحلة مهنية طويلة تنقلت خلالها بين التدريس والتأهيل التربوي والعمل في كلية المعلمات، قبل أن تتولى إدارة مدارس أسرتها عقب وفاة والدها عام 1969.
لكن نفيسة المليك لم تنظر إلى التعليم باعتباره مهنة فحسب، بل تعاملت معه باعتباره مدخلاً لتغيير المجتمع وبناء وعي المرأة. وفي عام 1947 برز اسمها في تأسيس تنظيم للمعلمات، في وقت كانت فيه المعلمة تحتل موقعاً مؤثراً داخل المجتمع السوداني، وكانت مدارس البنات من مراكز الإشعاع والتنوير في المدن والأحياء والقرى.
ومن خلال اتحاد المعلمات، الذي تحوّل لاحقاً إلى نقابة، عملت نفيسة المليك مع رفيقاتها على الدفاع عن حقوق المعلمات، وتطوير أوضاعهن المهنية، وتعزيز مكانتهن في المجتمع. وتولت لاحقاً رئاسة نقابة المعلمات، كما ارتبط اسمها بالمطالبة بالمساواة في الأجر، وتوسيع فرص تعليم البنات، والارتقاء بمستوى إعداد المعلمات.
ولم يتوقف نشاطها عند قضايا التعليم، فقد كانت من الأسماء المؤسسة في الحركة النسائية السودانية، وشاركت في اللجنة التمهيدية للاتحاد النسائي السوداني، الذي انطلق في خمسينيات القرن الماضي حاملاً قضايا تعليم المرأة والعمل ومحو الأمية ومحاربة العادات الضارة وتعزيز الوعي الاجتماعي والوطني.
وكانت نفيسة المليك تؤكد دائماً أن نشاطها العام لم يكن قائماً على العمل الحزبي، وإنما على إيمانها بدور المرأة وواجبها الوطني. وقد عبّرت في إحدى شهاداتها عن أن تكوين اتحاد المعلمات كان من أهم محطات حياتها، لأنه استهدف تقوية الروابط بين المعلمات والتمهيد لقيام نقابة مهنية تدافع عن حقوقهن.
كما ارتبط اسمها بالصحافة النسائية والعمل الثقافي، وأسهمت في دعم المنابر التي اهتمت بقضايا المرأة، وظلت لسنوات طويلة صوتاً داعياً إلى التعليم والتنوير والمشاركة المجتمعية. وكانت ترى أن مواجهة العادات الضارة لا تكون بالقوانين وحدها، وإنما بنشر التعليم والمعرفة، خصوصاً بين الفئات الأقل حظاً في التعليم.
وحصلت نفيسة المليك على درجة الماجستير من جامعة مانشستر في بريطانيا عام 1998، كما مُنحت لاحقاً الدكتوراه الفخرية من جامعة الأحفاد للبنات تقديراً لإسهاماتها في قضايا التعليم والمرأة والعمل العام.
لقد عاشت نفيسة المليك زمناً طويلاً من تاريخ السودان؛ بدأت رحلتها في مرحلة كان تعليم البنات فيها يواجه تحديات اجتماعية كبيرة، ثم شهدت التحولات الوطنية والاستقلال، وواصلت حضورها في قضايا التعليم والمرأة والعمل العام عبر عقود متتالية.
برحيلها، لا يفقد السودان معلّمة ورائدة فحسب، وإنما يفقد واحدة من الشاهدات على مرحلة مهمة من تاريخ بناء تعليم البنات وتشكّل الحركة النسائية السودانية. امرأة بدأت مشوارها وهي في عمر صغير، لكنها تركت أثراً امتد إلى أجيال من الطالبات والمعلمات، وإلى مسيرة طويلة من المطالبة بحق المرأة في التعليم والعمل والكرامة.
رحلت نفيسة المليك، لكن المدرسة التي حملت رسالتها ستظل مفتوحة في ذاكرة السودان؛ مدرسة عنوانها التعليم، ورسالتها الوعي، ودرسها الأكبر أن بناء المجتمع يبدأ من الإنسان، وأن نهضة المرأة كانت وستظل جزءاً أصيلاً من نهضة الوطن.
رحم الله الأستاذة نفيسة أبو بكر المليك، وألهم أهلها وذويها وتلاميذها ومحبيها الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
