
المبعوث الأممي في الخرطوم .. فتح نوافذ جديدة للحوار والسلام
المبعوث الأممي في الخرطوم .. فتح نوافذ جديدة للحوار والسلام
تقرير: القسم السياسي
عاد المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو، إلى الخرطوم في زيارة حملت في توقيتها دلالات سياسية وإنسانية لافتة، وسط استمرار الحرب وتعقيدات مسارات التسوية، وتزايد الحاجة إلى تحرك دولي أكثر فاعلية لدعم السلام وحماية المدنيين.
وخلال الزيارة، أجرى هافيستو سلسلة لقاءات مع رئيس مجلس السيادة الانتقالي القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان، ورئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس، ووزير المالية ورئيس حركة العدل والمساواة الدكتور جبريل إبراهيم، تناولت مجمل التطورات السياسية والأمنية والإنسانية، إلى جانب قضايا السيادة الوطنية، ووقف إطلاق النار، والحوار السياسي، ومستقبل العملية السلمية.
وتكشف مضامين اللقاءات الثلاثة عن تباين في الأولويات، لكنه يلتقي عند ضرورة إنهاء الحرب والوصول إلى سلام مستدام، مع تأكيد سوداني واضح على أهمية الملكية الوطنية للعملية السياسية، وضرورة مراعاة سيادة البلاد وشرعية مؤسساتها، مقابل تأكيد أممي على الحوار وحماية المدنيين وتوسيع مساحات التعاون من أجل الدفع نحو تسوية شاملة.
البرهان: التهدئة والسلام
والتقى رئيس مجلس السيادة الانتقالي القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، بمكتبه في القصر الجمهوري، المبعوثَ الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، السيد بيكا هافيستو.
وتطرق اللقاء إلى مجمل الأوضاع في البلاد، وجهود تعزيز الأمن والاستقرار، وتحقيق السلام الشامل في السودان.
وقال المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، في تصريح صحفي: «نقلتُ رسائل مهمة متعلقة بالتهدئة وحماية المدنيين، كما نتطلع لمواصلة لقاءاتنا وصولًا إلى تبادل الأسرى والمحتجزين المدنيين، بالتعاون الوثيق مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر».
وأكد هافيستو أن الحوار هو الطريق لتحقيق السلام المستدام والوصول إلى وقف شامل لإطلاق النار، لافتًا إلى استعداده للتعاون والتحاور الوثيق مع كافة الجهات وأصحاب المصلحة السودانيين، والعمل مع الشركاء في الخماسية للتقدم في العملية السياسية، لضمان أن تكون شاملة ومتكاملة ومستجيبة لطموحات الشعب السوداني.
كما شدد على أهمية إجراء امتحانات موحدة في كافة أنحاء البلاد، وهو موضوع يشكل قلقًا بالغًا للمجتمع الدولي؛ حيث تسعى الأمم المتحدة للمحافظة على حقوق الأطفال الأساسية في الوصول إلى الامتحانات المعتمدة في كافة أنحاء السودان، بالعمل الوثيق مع منظمة «اليونيسيف».
واختتم تصريحه بالإشادة بجهود الإعمار، قائلاً: «أشهد وألاحظ العديد من أعمال التشييد والتعمير التي تُعيد الحياة إلى طبيعتها في هذه المدينة».
لا تفريط في السيادة الوطنية
من جانبه أكد رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس أن قيادة البلاد لن تفرط في السيادة الوطنية والقرار السيادي، مشددًا على رفض السودان التام لكل أنواع التدخلات الأجنبية.
جاء ذلك لدى لقائه بالخرطوم مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة للسودان، السيد بيكا هافيستو، والوفد المرافق له.
وقدم سيادته إحاطة شاملة حول الأوضاع الجارية بالبلاد، معربًا عن امتنانه للدور الذي تضطلع به الأمم المتحدة، مشيرًا إلى أن السودان يعد عضوًا فعالًا فيها، ومؤكدًا الاستعداد لتشارك الرؤى والأفكار التي تقدم مساهمات إيجابية في مسيرة السلام والتنمية.
ومن جانبه، أبدى المبعوث الأممي سعادته البالغة بالاجتماع بمناسبة عودته إلى الخرطوم، مشيرًا إلى الاتفاق على أهمية العمل المشترك بتنسيق وثيق نحو حل مستدام وسلمي للبلاد، ومعربًا عن تقديره الكبير لدعم رئيس الوزراء للجهود الأممية والتطلع لمواصلة التعاون الوثيق دعمًا للسلام والاستقرار ومستقبل أفضل للشعب السوداني.
القوات المسلحة حامية البلاد
وقال الدكتور جبريل إبراهيم محمد، رئيس حركة العدل والمساواة السودانية وزير المالية، إن القوات المسلحة السودانية هي المؤسسة الوطنية المنوط بها دستوريًا حماية البلاد والدفاع عن سيادتها ووحدة أراضيها، معلنًا رفض الحركة للمقترحات الرامية إلى توسيع حظر الأسلحة المفروض على دارفور ليشمل كامل السودان.
وقال د. جبريل، في منشور على صفحته الرسمية على فيسبوك عقب لقائه بالخرطوم، بالسيد بيكا هافيستو، مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، إن مثل هذا الإجراء يتعارض مع السيادة الوطنية ويقيّد قدرة القوات المسلحة على الاضطلاع بواجبها الدستوري في حماية الوطن.
وتناول اللقاء تطورات الأوضاع في السودان، ولا سيما الأوضاع الإنسانية والانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون على يد المليشيا المتمردة.
وأكد د. جبريل أهمية أن يضطلع المجتمع الدولي بدور داعم لسيادة السودان ووحدة أراضيه وشرعية مؤسساته الوطنية.
واستعرض آفاق العملية السياسية ومسارات تحقيق السلام، مشددًا على أهمية التحرك المتزامن على مسارين متكاملين: المسار الأمني استنادًا إلى إعلان جدة، والمسار السياسي عبر حوار سوداني شامل لا يستثني أحدًا.
ودعا الأمم المتحدة للترحيب بمبادرة الحوار السوداني ودعمها، والعمل مع السودانيين على تطويرها بما يفضي إلى عملية سياسية شاملة ذات ملكية سودانية تضع حدًا للحرب وتؤسس لسلام مستدام ودولة مستقرة.
وأكد مجددًا التزام الحركة بدمج قواتها في القوات المسلحة، مشددًا على أهمية دمج كل الجيوش في جيش وطني قومي موحد.
تنشيط الدور الأممي
وقال الخبير والمحلل السياسي مجدي يس أن لقاءات المبعوث الأممي بيكا هافيستو في الخرطوم تكشف عن محاولة لإعادة تنشيط الدور الأممي في الملف السوداني، عبر الجمع بين المسار السياسي والملفات الإنسانية والأمنية، في وقت تبدو فيه فرص الوصول إلى تسوية مرتبطة بمدى قدرة الأطراف على التوافق حول شكل العملية السياسية وضماناتها.
ويرى الخبير مجدي أن أهمية الزيارة لا تكمن فقط في اللقاءات التي أجراها المبعوث، وإنما في طبيعة الرسائل التي حملتها، خصوصًا أن هافيستو التقى قيادة الدولة والحكومة وأحد أبرز مكونات القوى السياسية والعسكرية المتحالفة مع القوات المسلحة.
ويقول مجدي إن التركيز الأممي على التهدئة وحماية المدنيين وتبادل الأسرى والمحتجزين يمكن أن يمثل مدخلًا عمليًا لبناء الثقة، إلا أن نجاح هذه المسارات يتطلب إرادة سياسية وأمنية من الأطراف المعنية، فضلًا عن تعاون دولي يراعي تعقيدات المشهد السوداني. ويشير إلى أن الموقف السوداني الذي برز في لقاءات الخرطوم يضع مسألة السيادة والملكية الوطنية للعملية السياسية في مقدمة الأولويات، وهو ما يعني أن أي مبادرة دولية مقبلة ستكون مطالبة بالبحث عن صيغة تحقق التوازن بين الدور الدولي الداعم وبين عدم فرض حلول من الخارج.
ويضيف الخبير مجدي أن الدعوة إلى التحرك المتزامن على المسارين الأمني والسياسي تعكس إدراكًا متزايدًا بأن إنهاء الحرب لن يتحقق من خلال مسار واحد، وأن وقف إطلاق النار يحتاج إلى ترتيبات سياسية وأمنية تضمن استدامته، بينما تحتاج العملية السياسية إلى بيئة آمنة وإرادة سودانية قادرة على الوصول إلى توافقات واسعة.
ويخلص الخبير إلى أن عودة المبعوث الأممي إلى الخرطوم تمثل فرصة لاختبار مدى إمكانية الانتقال من الاتصالات والرسائل إلى خطوات عملية، مؤكدًا أن التحدي الأساسي أمام أي تحرك جديد يتمثل في تحويل التوافق النظري حول السلام إلى إجراءات ملموسة تضع حدًا للقتال وتحمي المدنيين وتفتح الطريق أمام تسوية سياسية ذات ملكية سودانية.
