
المجتمع الدولي وملف السودان .. الكيل بمكيالين
المجتمع الدولي وملف السودان .. الكيل بمكيالين
تقرير: الهضيبي يس
وصل المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو، إلى الخرطوم، حيث سيجري مشاورات مع الأطراف المعنية الرئيسية حول سبل المضي قدمًا في تدابير خفض التصعيد وتعزيز حماية المدنيين. وقالت لجان مقاومة المالحة بولاية شمال دارفور إن عشرات الآلاف من المواطنين يواجهون شبح المجاعة، أغلبهم من النساء والأطفال والمسنين، الذين يتوزعون بين مراكز الإيواء والمناطق الخلوية. وناشدت في بيان لها المنظمات الدولية بالتدخل العاجل لإنقاذ مواطني المالحة، حيث تقيم الغالبية العظمى في مناطق تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، وتحت العراء دون مأوى أو غذاء أو رعاية صحية، نتيجة للحصار الذي تفرضه مليشيا الدعم السريع. وأفادت اللجان بأن محلية المالحة شهدت موجات نزوح واسعة من مناطق أخرى تضررت من الحرب، مما أدى إلى تفاقم معاناة النازحين والسكان الأصليين للمحلية، الواقعة تحت سيطرة قوات الدعم السريع منذ العام الماضي.
وفي مقابل ذلك، قال الوزير المفوض ببعثة السودان لدى الأمم المتحدة، عمار محمود، إن السلام لن يزهر بنزع سلاح الدولة السودانية، بينما يجري تسليح مليشيا ترتكب الإبادة الجماعية من الخارج. جاء ذلك في تغريدة له ردًا على مقال مشترك نشرته مجلة Foreign Policy للسفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة، مايكل والتز، ومسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، طرحا فيه المقترح الأمريكي أمام مجلس الأمن لتوسيع حظر السلاح المفروض حاليًا على دارفور بموجب القرار 1591 ليشمل السودان بأكمله، بما في ذلك الطائرات المسيرة.
ذكر أن مقال فورين بوليسي يقلب المشكلة رأسًا على عقب، بينما السودان لا يطالب مجلس الأمن بتجاهل تدفقات السلاح، بل يطالبه بتنفيذ حظر السلاح القائم أصلًا.
لقد ظلت مليشيا الدعم السريع، التي ارتكبت جرائم إبادة جماعية، مدعومة بأسلحة متطورة وطائرات مسيرة ومرتزقة وشبكات إمداد خارجية تعمل في انتهاك للقرار 1591.
ومع ذلك، بدلًا من محاسبة الجهات التي تسلح الدعم السريع، فإن الحظر الشامل المقترح سيقيد القوات المسلحة الوطنية السودانية عن ممارسة حق الدولة السيادي في الدفاع عن النفس، بينما تواصل شبكات الإمداد غير المشروعة تزويد مليشيا ترتكب الإبادة الجماعية بالسلاح.
والأكثر دلالة أن السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة وكبير مستشاري الولايات المتحدة للشؤون الأفريقية يعترفان بأن التدخل الدولي والشبكات الخارجية التي توفر الأسلحة والطائرات المسيرة والأموال والمرتزقة قد أطالت أمد الحرب، إذن سموهم، وأوقفوهم، وعاقبوهم، وأغلقوا شبكات إمدادهم، ونفذوا القرار 1591.
السلام لن يزهر بنزع سلاح الدولة السودانية بينما يجري تسليح مليشيا ترتكب الإبادة الجماعية من الخارج. وما يحتاجه السودان هو الإنفاذ، لا المساواة الزائفة. لا تُعالَج حالة حظر سلاح يجري انتهاكه بتوسيعه، بل تُعالَج بإنفاذها.”
في وقت وصف فيه تقرير صادر من لجنة خبراء التقصي بشأن ملف السودان داخل أروقة مجلس الأمن الدولي ارتكاب مليشيا الدعم السريع عمليات تطهير عرقي وإبادة جماعية بحق المدنيين العزل بإقليم دارفور على أساس عرقي، وهو ما أسفر عنه أيضًا تشريد ما يقارب 138 ألف شخص، بخلاف دمار المؤسسات والمرافق الصحية ونهب ممتلكات المواطنين وتنفيذ عمليات الاغتصاب والاختطاف بحق النساء.
ويؤكد الكاتب الصحفي والمحلل السياسي يوسف حمد النيل أن معادلة المجتمع الدولي تجاه قضية الحرب في السودان ما تزال يشوبها قدر كبير من الضبابية المصنوعة نتيجة لتقاطعات المصالح حول الملف، والتي تحدث من وقت لآخر، وهو ما أفرز أيضًا حالة الكيل بمكيالين في إطار العديد من المسائل، فيما يتسق مع القوانين والأعراف والمواثيق الدولية، مثل قانون حقوق الإنسان، وأيضًا التعامل مع تقارير المنظمات الدولية بشكل جاد حول ما اقترفته من انتهاكات إنسانية بحق السودانيين على يد مليشيا الدعم السريع.
ويضيف حمد النيل: بدورها، هذه الضبابية كرست مبدأ غاية في الأهمية، وهو ضرورة إصلاح مؤسسات المجتمع الدولي نفسها بما يؤهلها للقيام بدور الحياد والشفافية تجاه قضايا النزاعات في العالم، وقطعًا لن يتأتى ذلك دون إبعاد هيمنة دول المصالح الاقتصادية والجيوسياسية عن دهاليز المجتمع الدولي، وجعل مؤسسات مثل الأمم المتحدة تتحرك بقدر أكبر مما هي عليه من الحرية، بما لا يؤثر على اتخاذ القرار وتنفيذه في المستقبل، بعيدًا عن الإسقاطات السياسية.
وزاد: بينما على مستوى ملف (الحرب)، فإن المؤشرات تذهب نحو مضي الجيش بقدر كبير من الثقة ناحية تحرير كافة الجغرافيا السودانية، انطلاقًا من مبدأ أنها حرب تعدٍّ على السيادة الوطنية، ولعب دور حماية المواطنين يظل أحد مناط مسؤولية القوات المسلحة، فقط ما يستوجب فعله عدم الالتفات لجملة محاولات الضغوط التي يحاول أن يقودها بعض الأطراف داخليًا وخارجيًا، بغرض إعادة ترتيب ملف الحرب نفسه لصالح عدة أطراف، بما فيهم مليشيا الدعم السريع.
