
الحوار من الداخل .. اختبار الإرادة وامتحان «صمود»
الحوار من الداخل .. اختبار الإرادة وامتحان «صمود»
تقرير: مجدي العجب
بعد أن دفع السودان أثماناً باهظة في معركة الدفاع عن الدولة ومؤسساتها ووحدتها الوطنية، تبدو البلاد اليوم أمام لحظة فارقة لا تحتمل ترف المناورات السياسية ولا الهروب إلى العواصم البعيدة بحثاً عن حلول لمشكلة لا يعرف تعقيداتها وأوجاعها أكثر من أهل السودان أنفسهم. فمن قلب الداخل، وفي توقيت تتقدم فيه إرادة الدولة على مشاريع التفكيك والوصاية، جاءت دعوة رئيس مجلس السيادة للحوار السوداني ـ السوداني، لتعيد ترتيب المشهد السياسي على قاعدة واضحة: أن مستقبل السودان يجب أن يصنعه السودانيون داخل وطنهم، لا أن يُرهن لإرادة الوسطاء أو حسابات القوى الخارجية. والدعوة التي أطلقها رئيس مجلس السيادة لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد مبادرة سياسية عابرة، وإنما تمثل فرصة وطنية ثمينة للقوى السياسية كي تعيد النظر في مواقفها، خاصة تلك القوى التي ظلت ترفع شعار الحوار طوال سنوات الأزمة، وتطالب به باعتباره الطريق الأمثل لإنهاء الخلافات السياسية، لكنها تبدو اليوم مترددة أمام دعوة حقيقية للحوار حين انتقلت الطاولة من الخارج إلى الداخل. وهنا يبرز السؤال الكبير: لماذا كان الحوار مقبولاً حين تُعقد جلساته في العواصم الأجنبية، ويصبح محل تحفظ حين يدعو إليه السودانيون فوق أرضهم؟.
ولم تكتفِ قيادة الدولة بإطلاق الدعوة، بل مضت خطوة أبعد في تهيئة المناخ السياسي، بإلغاء البلاغات الموجهة ضد قيادات تحالف «صمود»، في خطوة حملت رسائل واضحة بأن أبواب الوطن مفتوحة أمام الجميع، وأن الحوار الحقيقي لا يمكن أن يُبنى على الإقصاء أو تصفية الحسابات. وبذلك تكون الدولة قد أزالت واحدة من أهم الذرائع التي يمكن أن تُستخدم للتهرب من الجلوس إلى طاولة الحوار الوطني.
وتزداد أهمية هذه المبادرة مع الترحيب الذي وجدته من الاتحاد الأفريقي والجامعة العربية، اللذين عبّرا في بياناتهما عن دعمهما للحوار السوداني وضرورة الوصول إلى حلول سياسية تنبع من إرادة السودانيين. وهو تأييد يعكس إدراكاً متزايداً بأن الأزمة السودانية، مهما تعددت أبعادها الخارجية، لن تجد طريقها إلى الحل إلا عبر مشروع وطني يعيد الاعتبار للدولة ويحفظ سيادتها ووحدتها.
إنها فرصة قد لا تتكرر كثيراً، وربما تكون الأخيرة أمام القوى السياسية التي ظلت تتحدث باسم الحوار. فاليوم لم يعد السؤال: من يدعو إلى الحوار؟ بل من يملك الشجاعة للاستجابة له حين يصبح حواراً وطنياً خالصاً، بلا وصاية ولا إملاءات ولا أجندات مستوردة. وبينما يفتح الداخل أبوابه أمام الجميع، تبدو القوى السياسية أمام اختبار تاريخي حقيقي: إما الانحياز إلى السودان والجلوس إلى طاولة تصنع مستقبله، أو الاستمرار في انتظار حلول تأتي من وراء الحدود، بينما يمضي الوطن في كتابة صفحته الجديدة بإرادة أبنائه.
صمود أسيرة الإمارات
في الوقت الذي يفتح فيه السودان أبوابه لحوارٍ وطني خالص، تبدو بعض قيادات تحالف «صمود» أسيرةً لذرائع متجددة لا تنبع، في ظاهرها أو باطنها، من حسابات المصلحة الوطنية، بقدر ما تعكس حالة الارتهان لإرادة الكفيل الإقليمي الذي ظل يرسم حدود الحركة ويحدد سقوف المواقف. فهذه القوى التي طالما رفعت شعار الحوار وجعلته لازمةً سياسية لا تغيب عن أدبياتها، تقف اليوم مترددة أمام دعوة صريحة لحوار سوداني ـ سوداني من الداخل، بعد أن أُزيلت حتى الذرائع القانونية بإلغاء البلاغات الموجهة ضد قياداتها. وبينما وجدت المبادرة ترحيباً من الاتحاد الأفريقي والجامعة العربية، تواصل قيادات «صمود» البحث عن مبررات جديدة للهروب من طاولة الحوار، بما يثير سؤالاً جوهرياً حول مدى امتلاكها قرارها السياسي المستقل. إنها فرصة تاريخية قد لا تتكرر، واختبار حقيقي لمن يدّعي الحرص على الحوار، فإما الانحياز لإرادة الوطن أو البقاء رهينةً لإملاءات الخارج.
الحوار فرصة مهمة
وأكدت مساعد رئيس الكتلة الديمقراطية السابق، سالي زكي، أن دعوة الحوار السوداني ـ السوداني من الداخل تمثل فرصة مهمة أمام القوى المدنية والسياسية ينبغي عدم إضاعتها، مشددة على ضرورة اغتنامها للوصول إلى توافق وطني يعالج جذور الأزمة السودانية ويضع أسس السلام والاستقرار.
وقالت زكي، في حوار مع «ألوان»، إن الحوار ظل مطلباً للقوى السياسية السودانية، وإن أهميته تتضاعف في ظل الحاجة إلى الإجابة عن القضايا الجوهرية المتعلقة بكيفية إدارة الدولة وتوزيع السلطة والثروة وتحقيق دولة المواطنة وسيادة القانون.
وأشارت إلى أن تهيئة المناخ للحوار بدأت عبر خطوات شملت إسقاط بعض البلاغات وتقديم ضمانات للمشاركين، مؤكدة أنه لا توجد أسباب موضوعية لرفض الحوار حال توفر حرية المشاركة والالتزام بتنفيذ مخرجاته.
ورحبت زكي بالموقف الأفريقي الداعم للحوار، معتبرة أنه يصب في مصلحة الشعب السوداني المنهك ويدعم استقرار السودان والإقليم، مؤكدة أن الحوار يظل فرصة لبناء توافق وطني وسلام مستدام.
توهان صمود
ووصف د. يوسف الكودة رفض تحالف «صمود» لدعوة رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان للحوار السوداني ـ السوداني من داخل البلاد بأنه «حالة توهان وبوظان أعصاب»، عازياً ذلك إلى حالة الانهزام التي تعيشها القوى المرتبطة بالمشهد السياسي للمليشيا، في ظل التطورات الميدانية الأخيرة والاستسلامات المتوالية لقادة وعناصر الدعم السريع.
وقال الكودة، في تصريح خص به «ألوان»، إن «صمود» لا تظهر دعمها للمليشيا من خلال رفض الحوار فحسب، وإنما تمثل منذ اندلاع الحرب ذراعها السياسي، رغم محاولات الإنكار المستمرة، مشيراً إلى أن آخر ما يؤكد ذلك، بحسب تقديره، تحركات خالد سلك المطالبة بعدم دعم الجيش بالسلاح وفرض حظر على الطيران، وهي مطالب قال إنها تتوافق مع ما تتمناه المليشيا.
وأكد الكودة أن الأصل هو مناقشة الشأن العام داخل السودان، ولا يُصار إلى الحوار الخارجي إلا عند تعذر الحوار الداخلي، مشيراً إلى أن حوار الداخل يتيح مشاركة أوسع للقوى السياسية والمجتمعية، بينما لا يحق لـ«صمود» احتكار مسار الحوار أو تمثيل الشعب السوداني دون تفويض انتخابي.
اختبار حقيقي
وهكذا، تضع دعوة الحوار السوداني ـ السوداني القوى السياسية أمام اختبار حقيقي، ليس فقط لمدى جديتها في البحث عن السلام، وإنما لمدى قدرتها على اتخاذ قرار وطني مستقل بعيداً عن الحسابات والضغوط الخارجية. فالحوار من الداخل يظل الأصل، لأنه يفتح الباب أمام مشاركة أوسع ويمنح السودانيين فرصة صناعة مستقبلهم بأيديهم. وبينما تتسارع التحولات العسكرية والسياسية، فإن رفض هذه الفرصة والتمسك بحوارات الخارج قد يعني إهدار واحدة من أكثر النوافذ أهمية للخروج من الأزمة. وفي نهاية المطاف، سيبقى التاريخ شاهداً على من اختار الوقوف عند بوابة الحوار حين فُتحت، ومن اختار أن يدير ظهره لها، تاركاً الوطن يدفع كلفة الانتظار.
