
د. حسن محمد صالح يكتب: محنة الدولار وارتفاع الأسعار إلى متى؟
موقف
د. حسن محمد صالح
محنة الدولار وارتفاع الأسعار إلى متى؟
لا أريد أن أفصح عن الرقم الذي أعلن تجار العملة أنهم سوف يبلغون به الدولار مقابل الجنيه السوداني، وذلك حتى لا يصبح واقعًا معاشًا كما حدث في المرات السابقة بسبب كلمة أو دعاية من هؤلاء التجار الذين صار أمر الاقتصاد السوداني بأيديهم، لا بيد وزير المالية ولا رئيس الوزراء ولا وزير الدفاع «رئيس لجنة استقرار سعر الجنيه السوداني مقابل الدولار الأمريكي والعملات الأخرى»، أو بالأحرى لجنة محاربة تجار العملة والسوق السوداء، وهي لجنة أمنية مهمتها تطبيق القوانين والقرارات المتعلقة بهذا النشاط الهدام، وهو الاتجار في العملات الأجنبية من قبل بعض السودانيين. ولكن هل يستخدم وزير الدفاع الاستخبارات العسكرية بدلًا عن جهاز الأمن والمخابرات والمباحث الفيدرالية في توقيف تجار العملة، أم يطلق مسيرات على تجار العملة كما قالت الأستاذة سمية سيد؟.
مهما يكن من شيء، فقد ارتفع الدولار بوتيرة متسارعة، وانعكس هذا الارتفاع الجنوني على أسعار أهم السلع، وهي سلعة الخبز «قطعتا خبز» بألف جنيه، بواقع خمسمائة جنيه للقطعة الواحدة، وسوف يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى، منها الوقود والمواصلات. وقد ارتبطت الأخيرة بمعضلة أخرى، وهي تطبيقات البنوك، وأشهرها تطبيق «بنكك». هذا التطبيق هزم سياسة تقليل النقد أو الكاش في أيدي المواطنين، وتوجيه السيولة النقدية إلى المصارف، وسياسة الحوكمة المالية والإدارية. وأعلن أصحاب المركبات صراحة رفضهم التعامل مع تطبيق بنكك، مما أوقع المواطنين في مشكلة وخلافات بسبب هذا التطبيق الذي يستعصي فتحه وتحويل الأموال عبره إلى مستحقيها.
السياسة النقدية للحكومة الحالية لا تختلف عن السياسة التي اتبعتها حكومة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، المتخصص في الاقتصاد الزراعي، الذي تنازل عن رئاسة اللجنة الاقتصادية لقائد مليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو حميدتي، ظنًّا من حمدوك أن مشكلة الدولار حلها أمني وعسكري وليس اقتصاديًّا، وأن حميدتي «الضكران الخوف الكيزان»، كما يقول القحاطة في هتافاتهم البائسة، يمكن أن يخوّف تجار العملة. وحميدتي، حسب فهمه القاصر للأمور، أراد الدخول في حرب مع الدولار بدلًا من إيقاف تهريب الذهب الذي كان يقوم به شخصيًا، وقال: «نحن ماشين للدولار عديل، يا هزمناه يا هزمنا!» وقد اتحد حمدوك وحميدتي في تدمير الاقتصاد السوداني بالتخريب والتهريب وشراء الدولار من السوق السوداء لدفع تعويضات مالية لضحايا الباخرة الأمريكية في ميناء ممبسا ودار السلام، في جريمة لم يرتكبها السودان، كما فعل رئيس وزراء السودان الانتقالي عبد الله حمدوك، وأدى ذلك إلى زيادة مئتي جنيه في سعر الدولار مرة واحدة.
السياسة التي أعلن عنها الدكتور كامل إدريس، رئيس الوزراء، في حديثه لصحيفة الكرامة، هي أيضًا سياسة أمنية لم تمنع تجار العملة، وتجار العملة الذين ينتشرون في شارع الحرية، وهو الشارع الوحيد الذي يعمل في مدينة الخرطوم، وهم يلوّحون بالجنيه السوداني مهيض الجناح وينادون بالدولار. وقد سألت أحدهم وعلمت منه أن سعر الدولار يتضاعف عندما تكون المبالغ بالدولار كبيرة. تخطى الدولار حاجز الستمائة جنيه، ثم قفز خلال أيام قليلة بالصاروخ، وليس بالزانة، لأن القذف بالزانة أقل سرعة من الصواريخ العابرة للقارات.
السودان بحاجة إلى مؤتمر اقتصادي أكثر من حاجته إلى حوار سياسي ملفق، وفي حاجة إلى لجان تشريعية وبرلمانية وفنية لوضع سياسة اقتصادية تقوم على الإنتاج، ومكافحة التهريب، وتعظيم الصادرات، وتقليل الواردات، وتقليل الصرف الحكومي. أكبر كارثة ألمّت بالمواطنين هي سياسة رفع الدعم عن السلع الاستهلاكية، وخاصة الخبز والوقود، وخدمات علاج الأطفال دون سن الخامسة مجانًا؛ لأن الإجراءات الأمنية والعنترية أثبتت فشلها، ويبقى الحل في الإنتاج وزيادة الإنتاج، ومنع المضاربات والسوق السوداء، وسن قانون رادع يجعل من هذا النشاط جريمة ضد الوطن والمواطن.
