المليشيا.. انهيار متسارع

المليشيا.. انهيار متسارع

تقرير: كمال عوض

لم تعد أزمات مليشيا الدعم السريع محصورة في ساحات القتال، بعدما بدأت الارتدادات تضرب بنيتها السياسية والاجتماعية والعسكرية في وقت واحد. فمع اتساع الانشقاقات وتراجع القدرة على الاحتفاظ بالمقاتلين، تتصاعد الخلافات بين المكونات القبلية التي شكلت أحد أهم روافع المليشيا البشرية، بينما تتحول تحالفات الأمس إلى ساحات صراع مفتوح حول النفوذ والسلاح والموارد. وفي أحدث مؤشر على اتساع التصدعات داخل الحاضنة الاجتماعية للمليشيا، أعلنت الإدارة الأهلية للنوايبة، إحدى مكونات الرزيقات، خروجها رسمياً من إدارة ناظر عموم الرزيقات محمود موسى إبراهيم موسى مادبو، في خطوة جاءت احتجاجاً على الظلم وعدم المساواة. وأعلنت الإدارة الأهلية للنوايبة التزامها بالمواثيق والأعراف الخاصة بالتعايش السلمي، وتعاونها مع لجان الأمن المحلية والولائية لحفظ الاستقرار وبسط سلطة القانون. ويحمل الإعلان دلالة تتجاوز الخلاف الإداري، خصوصاً مع إعلان 24 عمدة انشقاقهم عن الإدارة الحالية، بما يكشف حجم التوتر داخل واحد من أكبر المكونات الاجتماعية التي ارتبط اسمها تاريخياً بمادبو وبالرزيقات.

 

 

 

الرزيقات.. انقسام داخل البيت

 

ويأتي التطور في وقت تتزايد فيه المؤشرات على صعوبة المحافظة على تماسك المكونات التي ساندت الدعم السريع خلال الحرب. فقد رصدت دراسات وتحليلات حديثة وجود توترات داخلية بين مكونات قبلية مختلفة مرتبطة بالمليشيا، بما فيها الرزيقات والمسيرية ومكونات أخرى في دارفور وكردفان، وتحولت بعض هذه التوترات إلى مواجهات مسلحة وسقوط قتلى.
ويرى مراقبون أن قضية أبيي تمثل أحد العوامل التي دفعت قطاعات من المسيرية إلى إعادة ترتيب مواقفها، في ظل حساسية القضية بالنسبة للقبيلة ومصالحها التاريخية في المنطقة. وفي المقابل، انشغلت مكونات أخرى، بينها السلامات والبني هلبة، بصراعاتها الداخلية التي استنزفت جانباً من طاقتها وأضعفت قدرة المليشيا على توحيد حلفائها.
وقد شهدت جنوب دارفور خلال العام الحالي مواجهات متكررة بين السلامات والبني هلبة، وهما من أبرز المكونات التي ارتبطت بالدعم السريع. وتقول تقارير إن الخلافات حول الأرض والحواكير والنفوذ والتجنيد وتسليح المكونات تحولت إلى مواجهات واسعة استخدمت فيها أسلحة ثقيلة ومسيرات.
وفي يوليو الماضي، تجدد القتال بين الطرفين بعد فترة قصيرة من توقيع وثيقة صلح، وأسفرت المواجهات عن قتلى وجرحى، في مؤشر على أن محاولات الاحتواء لم تنهِ جذور الأزمة.

 

سياسة فرق تسد

 

ويذهب مراقبون إلى أن سياسة إدارة المكونات عبر التنافس والصراع الداخلي أوجدت واقعاً شديد التعقيد داخل الحاضنة الاجتماعية للمليشيا، إذ لم تعد الخلافات تدور فقط حول الموقف من الحرب، وإنما حول توزيع السلاح والمال والرتب والمركبات والنفوذ. وتشير دراسات إلى أن مليشيا الدعم السريع اعتمدت منذ بداية الحرب على تعبئة واسعة وسط مجموعات عربية في دارفور، مستفيدة من الأموال والرتب والمركبات والحوافز العسكرية لاستقطاب المقاتلين والقيادات الأهلية، وهو ما ساعدها في التوسع سريعاً في الإقليم. لكن هذا النموذج نفسه حمل في داخله تناقضات المصالح بين المكونات المختلفة.
وتكشف مواجهات السلامات والبني هلبة بصورة واضحة كيف يمكن للسلاح الذي جرى توزيعه لتعزيز قوة المليشيا أن يتحول إلى أداة اقتتال داخل معسكرها نفسه. فقد تحدثت تقارير عن استخدام أسلحة ثقيلة ومدفعية ومسيرات خلال المواجهات بين الطرفين.

 

المرتزقة.. آخر ما تبقى

 

وفي موازاة التفكك القبلي والانهيار المتسارع، تتزايد أهمية العنصر الأجنبي داخل صفوف مليشيا الدعم السريع. فقد وثقت تقارير أممية ومسارات بحثية وجود مقاتلين أجانب جرى نقلهم عبر تشاد وليبيا وطرق إقليمية أخرى إلى مناطق عمليات المليشيا، كما كشفت تقارير حديثة عن مشاركة مرتزقة كولومبيين في العمليات العسكرية إلى جانب الدعم السريع.
ويقول محللون إن اعتماد المليشيا المتزايد على مقاتلين من خارج البيئة المحلية يعكس أزمة في قدرتها على الاحتفاظ بقواعد التجنيد التقليدية، خصوصاً مع اتساع حالات الانشقاق. وكانت تقارير حديثة قد رصدت تزايد حالات الانشقاق من صفوف الدعم السريع وانضمام مجموعات من مقاتليه إلى القوات المسلحة، في وقت بدأت فيه هذه الانشقاقات تأخذ طابعاً أكثر وضوحاً في دارفور وكردفان.
ولا تبدو المشكلة مرتبطة فقط بولاء المقاتلين، وإنما أيضاً بالمطالب المالية والامتيازات التي أصبحت جزءاً من العلاقة بين المليشيا والمقاتلين. ومع تراجع الموارد وضغط العمليات، يصبح الحفاظ على قوة كبيرة ومتعددة الجنسيات أكثر صعوبة، خصوصاً عندما تتداخل المصالح القبلية والمحلية مع مصالح المقاتلين الأجانب.

 

صراع داخلي

 

وتشير التطورات المتلاحقة إلى أن مليشيا الدعم السريع تواجه الآن ثلاثة مستويات من الأزمة: تراجع عسكري، وتصدعات سياسية، وانقسامات قبلية واجتماعية. وكلما اتسعت الفجوة بين القيادة والمكونات المحلية، زادت احتمالات تحول الخلافات الداخلية إلى مواجهات مسلحة.
كما أن انتقال الصراع من مواجهة الجيش إلى صراعات بين حلفاء المليشيا نفسها يطرح سؤالاً حول قدرتها على الحفاظ على شبكة التحالفات التي مكّنتها من التوسع في دارفور.
وبذلك، فإن خروج النوايبة من إدارة مادبو لا يبدو حادثاً معزولاً، وإنما يأتي ضمن سلسلة من التصدعات التي تضرب البنية التي اعتمدت عليها المليشيا في التجنيد والسيطرة والنفوذ. وإذا استمرت الانشقاقات والصراعات بين المكونات، فإن الخطر الأكبر على الدعم السريع قد لا يأتي من خطوط المواجهة وحدها، وإنما من داخل التحالف الاجتماعي الذي شكّل أحد أهم أعمدته منذ بداية الحرب.