بين روحانيات مكة وأنوار المدينة .. رحلة إيمانية من ضفاف النيل إلى أرض الحرمين

بين روحانيات مكة وأنوار المدينة

رحلة إيمانية من ضفاف النيل إلى أرض الحرمين

يرويها: كمال عوض

ليست كل الرحلات تُقاس بالمسافات التي تقطعها المركبات والطائرات، فهناك رحلات تبدأ من القلب قبل أن تتحرك الأقدام، وتستقر في الوجدان قبل أن تصل إلى وجهتها. ورحلة العمرة إلى أرض الحرمين واحدة من تلك الرحلات التي لا تشبه سواها؛ لأنها رحلة إلى مكان تتعانق فيه الذكريات مع العبادة، وتلتقي فيه الأشواق بالإيمانيات، ويجد الإنسان نفسه أمام مشاهد عظيمة طالما حملها في مخيلته وتمنى أن يراها بعينيه.
من بربر، على ضفاف نهر النيل، بدأت رحلتنا صوب أطهر البقاع، محملين بالشوق إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، وبمشاعر يصعب وصفها بالكلمات، واصلنا الطريق إلى مكة المكرمة، حيث كان الوصول إلى رحاب البيت الحرام هو الموعد الذي انتظرته القلوب قبل أن تنتظره الأجساد.

 

أشواق إلى البيت العتيق

الطريق طويل، لكنه لم يكن ثقيلاً، فالهدف أكبر من مشقة السفر، وكل خطوة تقربنا من الحرم حملت معها إحساساً خاصاً بأننا نمضي نحو مكان له في وجدان المسلمين منزلة لا تضاهيها منزلة.
وعندما لاحت مكة، تبدلت مشاعر الطريق، واكتسبت الرحلة معنى آخر. هنا مكة التي تتجه إليها القلوب قبل الوجوه، وهنا المسجد الحرام الذي يحفظ في رحابه تاريخاً طويلاً من التوحيد والعبادة والدعاء.

استقبال يليق بالضيوف

اكتملت فرحة الوصول بحفاوة عكست كرم الضيافة ودفء اللقاء. فقد استقبلنا مدير شركة المروة المتحدة لخدمات المعتمرين، وسام بسام عطية النومسي، ومديرة وكالة لبنى ساري لاند للسفر والسياحة، لبنى إسماعيل، ورئيس مجموعة قمر طيبة العالمية للسفر والسياحة المدثر نابغ محمد بخيت، والمنسق موفق، في مشهد ترك أثراً طيباً في نفوسنا.
وأقيم لنا حفل استقبال فخيم في أحد فنادق مكة، بالقرب من مقبرة المعلاة القريبة من الحرم المكي، فكان اللقاء مناسبة امتزجت فيها مشاعر الفرح بالوصول إلى مكة مع الامتنان لمن أحسن الاستقبال وحرص على أن تبدأ الرحلة بروح جميلة.

في رحاب المسجد الحرام

وفي رحاب المسجد الحرام، وأمام الكعبة المشرفة، تتراجع كل التفاصيل الدنيوية إلى الخلف، ويصبح الإنسان أكثر قرباً من ذاته ومن ربه. هناك، في ذلك المكان المهيب، أدينا مناسك العمرة وسط أجواء إيمانية عامرة بالسكينة والخشوع.
وفي مكة، لا تنتهي الروحانيات بانتهاء المناسك، بل تبدأ مرحلة أخرى من القرب والطمأنينة. فقد انتظمنا في الصلوات الخمس بالمسجد الحرام، وكان لكل صلاة مذاقها الخاص؛ فالوقوف في صفوف المصلين في هذا المكان العظيم، وسماع التلاوة، ومشاهدة جموع المسلمين القادمة من مختلف بقاع الأرض، يمنح النفس شعوراً يصعب نقله بالكلمات.

مكة.. ذاكرة النبوة

مكة مساحة واسعة من ذاكرة الإسلام. ففيها المسجد الحرام والكعبة المشرفة، ومنها بدأت مسيرة الدعوة الإسلامية، وفي أرجائها ارتبطت أسماء وأحداث عظيمة بالسيرة النبوية.
ومن معالمها التي تستوقف الزائر مقبرة المعلاة، حيث دُفن عدد من أعلام قريش وأهل مكة، وهي من المواقع التي تحمل قيمة تاريخية ووجدانية لدى زوار العاصمة المقدسة.
كما تستحضر مكة في وجدان المسلم جبل النور وغار حراء، حيث ارتبط المكان ببداية نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم، وجبل ثور الذي ارتبط بهجرته صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه. وتمنح زيارة هذه المواقع فرصة للتأمل في صفحات من السيرة النبوية، واستحضار التضحيات التي صنعت تاريخ الرسالة.

إلى المدينة المنورة

بعد أيام مكة المفعمة بالعبادة والسكينة، جاء الموعد مع مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم، المدينة المنورة؛ تلك المدينة التي ما إن يُذكر اسمها حتى تتدفق في القلب مشاعر المحبة والسلام.
الرحلة إلى المدينة مثلت انتقالاً من أجواء مكة إلى أجواء أخرى لا تقل جمالاً وروحانية. هناك المسجد النبوي الشريف، والروضة الشريفة، والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما. وفي المدينة، انتظمت الزيارة لتشمل عدداً من المواقع التاريخية والإسلامية التي ارتبطت بالسيرة النبوية وتاريخ الدعوة.

البقيع .. سلام على أهل الدار

زيارة بقيع الغرقد من المحطات التي تركت أثراً عميقاً في النفس. فالمقبرة التي تضم رفات عدد كبير من الصحابة وأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وأمهات المؤمنين، تضع الزائر أمام حقيقة الدنيا وفناء الإنسان، وتدعوه إلى التأمل في معنى الحياة والموت وما يبقى للإنسان من عمل صالح.
وهناك، وسط هدوء المكان، يستشعر المرء قيمة الدعاء، ويتذكر أن هذه الدنيا مهما امتدت قصيرة، وأن أجمل ما يحمله الإنسان معه هو أثر طيب وعمل صالح.

أُحد .. ذاكرة التضحية

ومن المدينة جاءت زيارة شهداء أُحد، حيث يقف الزائر أمام واحد من أبرز المواقع المرتبطة بالسيرة النبوية والغزوات الإسلامية. وعند جبل أُحد، تستحضر الذاكرة أحداث غزوة أُحد وما فيها من دروس عظيمة في الطاعة والصبر والثبات والتضحية.
وتأتي زيارة شهداء أُحد، وفي مقدمتهم سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، لتجدد التأمل في تضحيات الجيل الأول من المسلمين وما قدموه في سبيل نصرة الدين.

قباء .. أول مسجد

مسجد قباء محطة أخرى في الرحلة، وهو المسجد الذي ارتبط ببداية تأسيس مجتمع المدينة في العهد النبوي، وتنبض زيارته بمعاني التاريخ والعبادة.
في قباء يشعر الزائر بأنه يلامس صفحة مهمة من صفحات السيرة، حيث ارتبط المكان برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالصحابة الكرام، ويستعيد المسلم من خلال الزيارة مشاهد من الأيام الأولى للدولة الإسلامية في المدينة المنورة.
كما شملت الرحلة بقية المزارات في المدينة، ومن أبرزها مسجد القبلتين، وموقع الخندق ومساجد السبعة، في جولة جمعت بين العبادة والتأمل واستحضار التاريخ الإسلامي والسيرة النبوية.

رفقة الطريق

وللرفقة في الرحلات الإيمانية طعم خاص، إذ تتحول ساعات السفر والعبادة والزيارة إلى ذكريات مشتركة، ويصبح الرفقاء جزءاً من الحكاية.
وكان من رفقاء رحلتنا الإيمانية الأخ الخبير في شؤون المنظمات والتنمية البشرية عبد الوهاب صابر، ابن الجريف غرب، والباشمهندس مقبول ناصر من ربك وسنار، ورجل الأعمال النعيم عبد الباقي من سعادة العقليين، والعم محمد من السيال، وإبن القضارف الشاب أواب، حيث جمعتنا هذه الرحلة على المحبة والأخوة وحسن الصحبة، وتقاسمنا لحظات الطريق ومشاهد العبادة والزيارة.
الأحاديث بين الصلوات وفي أوقات التنقل استدعت كثيراً من المعاني الجميلة، فيما فرضت أجواء الحرمين الشريفين على الجميع حالة من السكينة والتأمل، وجعلت الإنسان أكثر ميلاً إلى الصمت حيناً، وإلى الدعاء حيناً آخر.

وفاء يستحق الشكر

وفي تفاصيل هذه الرحلة الإيمانية، لا بد من كلمة شكر وامتنان لمن كان وراء هذه المبادرة الكريمة، وهي منظمة الكفاءات للدراسات والتنمية البشرية، ورئيس مجلس إدارتها ومديرها العام البروفيسور عارف عوض الركابي، الذي تكفل بتكاليف العمرة كاملة لمجموعة من منسوبي المنظمة والمتعاونين معها.
إن التكفل برحلة إلى بيت الله الحرام، هو باب من أبواب الخير، وفرصة لصناعة ذكرى إيمانية عميقة في نفوس من أُتيح لهم أداء هذه الشعيرة. والشكر هنا لا يكفيه الكلام، لأن بعض المواقف تظل أكبر من أن تختصرها عبارات الامتنان.

رحلة تتجاوز المكان

كانت زيارتنا إلى الحرمين الشريفين رحلة إلى الداخل، رحلة أعادت ترتيب الكثير من المشاعر، ومنحت القلب مساحة واسعة للهدوء والتأمل.
في مكة تعلمنا أن الشوق إلى البيت الحرام لا يشبه أي شوق، وفي المدينة أدركنا أن محبة المصطفى صلى الله عليه وسلم حاضرة في وجدان المسلمين جيلاً بعد جيل. وبين الطواف والسعي والصلاة والدعاء والزيارة، تشكلت تفاصيل رحلة ستبقى في الذاكرة ما بقيت الأيام.

وتبقى الذكرى

تنتهي الرحلات حين يعود المسافر إلى مكانه، لكن بعض الرحلات لا تنتهي بالعودة؛ لأنها تستقر في القلب.
عدنا من أرض الحرمين، لكن مكة بقيت في الوجدان، وبقيت المدينة في الذاكرة، وبقيت لحظات الطواف والدعاء والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم حاضرة في تفاصيل الأيام.
وقد تكون أجمل هدايا العمرة أن يعود الإنسان بقلب أكثر صفاءً، ونفس أكثر طمأنينة، وعزم أكبر على أن يجعل ما بعد الرحلة امتداداً لما عاشه فيها.
إنها رحلة إلى بيت الله، وإلى مسجد رسوله، وإلى أعماق النفس أيضاً؛ رحلة بدأت بالشوق وانتهت بالحنين، وبدأت بالدعاء واستمرت بالأمل، وستظل تفاصيلها تقول لنا كلما اشتقنا إلى الحرمين: بعض الأماكن لا يغادرها الإنسان حين يغادرها، لأنها ببساطة تسكنه.