آبي أحمد في مرمى النار .. تحالف الخصوم يطرق أبواب أديس أبابا

آبي أحمد في مرمى النار .. تحالف الخصوم يطرق أبواب أديس أبابا

 

تقرير: مجدي العجب

لم يعد السودان وحده في دائرة الاهتمام الإقليمي والدولي، فإثيوبيا، الجارة التي ترتبط بالسودان بحدود طويلة ومصالح متشابكة وملفات أمنية وسياسية واقتصادية شديدة الحساسية، تبدو مقبلة على مرحلة جديدة من التعقيد السياسي والعسكري. فخلال الأيام الماضية، أعلنت سبع حركات إثيوبية مسلحة، تمثل مكونات وقوميات ومناطق مختلفة، تشكيل تحالف جديد تحت مسمى «التحالف الإثيوبي لقوى البقاء»، معلنة أن هدفها العمل على إزاحة حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد وتهيئة الطريق أمام مرحلة انتقالية. ويضم التحالف جبهة تحرير شعب تيغراي، وحركة فانو الأمهرية، وجيش تحرير أورومو، إلى جانب حركات من مناطق عفر وبني شنقول-قمز وأوغادين وغيرها. وتكتسب الخطوة أهميتها من طبيعة القوى التي اجتمعت حولها؛ فبعضها خاض حروباً مباشرة أو مواجهات مسلحة مع الحكومة الإثيوبية، وبعضها كان في مواقع متعارضة خلال الحرب في تيغراي. والأكثر دلالة أن تيغراي وفانو وجيش تحرير أورومو، وهي من أبرز القوى المسلحة في المشهد الحالي، أصبحت جزءاً من إطار واحد، رغم اختلاف تجاربها ومطالبها وتاريخ الصراع بينها.
وقد أعلن زمني كاسي، القيادي في حركة فانو، عن التحالف، فيما تحدثت قيادات من الأطراف المشاركة عن تعاون استمر لأكثر من عام قبل الوصول إلى الإعلان الرسمي. وهذا يعني أن ما ظهر إلى العلن لم يكن بالضرورة وليد الأيام القليلة الماضية، وإنما حصيلة اتصالات وترتيبات سبقت الإعلان.

 

من إرث الجبهة إلى حزب الازدهار

لفهم جذور الأزمة الحالية، لا بد من العودة إلى البنية السياسية التي حكمت إثيوبيا منذ سقوط نظام منغستو عام 1991. فقد تأسست «الجبهة الديمقراطية الثورية للشعب الإثيوبي» (EPRDF)، وهي ائتلاف ضم قوى قومية وإقليمية رئيسية، في مقدمتها جبهة تحرير شعب تيغراي (TPLF)، والتنظيم الديمقراطي لشعب أورومو، والحركة الديمقراطية الوطنية لشعب أمهرة، والحركة الديمقراطية لشعوب جنوب إثيوبيا. وقد ظلت الجبهة القوة السياسية المهيمنة على البلاد لسنوات طويلة. ومع وصول آبي أحمد إلى رئاسة الحكومة عام 2018، بدأت مرحلة إعادة صياغة واسعة للمشهد السياسي. وفي ديسمبر 2019 تأسس «حزب الازدهار» من خلال دمج عدد من مكونات الجبهة الديمقراطية الثورية، من بينها التنظيم الديمقراطي لشعب أورومو، والحزب الديمقراطي الأمهري، والحركة الديمقراطية لشعوب جنوب إثيوبيا، إلى جانب أحزاب إقليمية أخرى. لكن جبهة تحرير شعب تيغراي رفضت الانضمام إلى الحزب الجديد. ومن هنا بدأ أحد أهم خطوط الانقسام الذي سيقود لاحقاً إلى الحرب في تيغراي، ثم إلى اتساع دائرة المواجهات المسلحة والسياسية في إثيوبيا.

من تحالف السلطة إلى تحالف الخصوم

المفارقة اللافتة في المشهد الحالي أن بعض القوى التي كانت في مراحل سابقة جزءاً من ترتيبات سياسية متباينة، أو خاضت صراعات فيما بينها، تجد نفسها اليوم في خندق واحد ضد الحكومة المركزية. وتطرح هذه المفارقة سؤالاً أكبر من مجرد الإعلان عن تحالف عسكري: هل نحن أمام إعادة تشكيل للخريطة السياسية الإثيوبية؟. فالتحالف الجديد لا يجمع قوة إثنية واحدة ولا منطقة واحدة، بل يمتد من تيغراي إلى أمهرة وأوروميا ومناطق أخرى. وهو ما يمنحه، من الناحية السياسية، اتساعاً جغرافياً وقومياً، لكنه في الوقت نفسه يضع أمامه تحديات كبيرة، لكن تماسكه يأتي من منطلق أجندته الموحدة. ومع ذلك، فإن مجرد اجتماع هذه القوى تحت مظلة واحدة يمثل تطوراً مهماً في المشهد الإثيوبي؛ فخصوم الأمس باتوا يبحثون عن مساحة مشتركة في مواجهة السلطة المركزية. وهنا تتجاوز المسألة حدود الصراع الإثيوبي الداخلي، لتكشف مفارقة إقليمية لا تخطئها العين. فآبي أحمد، الذي وُجّهت إليه اتهامات بالسماح باستخدام الأراضي الإثيوبية لتدريب وإسناد قوات الدعم السريع في حرب السودان، بدا وكأنه يراهن على أن النار التي تُشعل في الجوار يمكن أن تظل بعيدة عن داره. وقد نشرت رويترز تحقيقاً في فبراير الماضي تحدث عن معسكر في بني شنقول – قمز لتدريب مقاتلين من الدعم السريع. لكن السياسة الإقليمية لا تعرف دائماً الحدود التي يرسمها أصحابها. فما يُدفع إلى جوار الدولة لإضعاف خصومها قد يعود إليها من النافذة نفسها. وبينما كانت الخرطوم تواجه حرباً استُخدمت فيها الأراضي الإثيوبية كعمق لوجستي لمليشيا الدعم السريع، وجد آبي أحمد نفسه بعد فترة وجيزة أمام تحالف إثيوبي واسع يضم قوى كانت متصارعة فيما بينها، من تيغراي وفانو إلى جيش تحرير أورومو وقوى أخرى، وقد أعلنت صراحة أن هدفها مواجهة حكومته وإسقاطها. وهنا تبدو المفارقة أكثر قسوة: الرجل الذي ظن أن تفكيك السودان أو إضعاف دولته يمكن أن يخدم حساباته الإقليمية، قد لا يكون قد أدرك أن منطق تفكيك الدول لا يتوقف عند حدود الدولة المستهدفة؛ وأن القوى التي تستفيد من الفوضى اليوم قد تجد الفوضى نفسها غداً على أبوابها. فهل أدرك آبي أحمد، في الوقت المناسب، أن ما يُزرع في جوار إثيوبيا يمكن أن يرتد عليها بهذه السرعة؟ أم أن تحالف خصومه الحالي ليس سوى البداية لمرحلة تتغير فيها قواعد اللعبة داخل إثيوبيا نفسها؟.

آبي أحمد في مواجهة العاصفة

وقال الأكاديمي والمحلل السياسي الدكتور محمد تورشين إن التحالف الذي جمع عدداً من الفصائل الإثيوبية المسلحة، من بينها جبهة تحرير تيغراي وفانو وجيش تحرير أورومو، يمثل تطوراً لافتاً قد يعيد ترتيب موازين القوى داخل إثيوبيا.
وأوضح تورشين في حديث لـ«ألوان» أن اجتماع قوى ذات امتدادات عسكرية وإثنية وجغرافية مختلفة في مواجهة حكومة آبي أحمد يكشف اتساع دائرة الرفض لسياساته، ويضع حكومته أمام تحديات تتجاوز المواجهات المحلية إلى أزمة سياسية وأمنية أوسع. وأشار إلى أن التطور يحمل دلالات خاصة بالنسبة للسودان، في ظل الاتهامات الموجهة لإثيوبيا بتوفير أراضٍ ومسارات لمليشيا الدعم السريع، معتبراً أن الرهان على استخدام أزمات الجوار لتحقيق أهداف سياسية قد يرتد على أصحابه. وأضاف أن آبي أحمد ربما لم يتوقع أن تتشكل بهذه السرعة جبهة متعددة القوميات في مواجهته، لتصبح إثيوبيا نفسها أمام تداعيات سياسات إقليمية ارتبطت بالسودان.

تحالف قوي ضد آبي أحمد

فيما قال الأكاديمي والمحلل السياسي الدكتور الرشيد محمد إبراهيم إن آبي أحمد يواجه اليوم واحدة من أكثر مفارقات حكمه قسوة، بعدما بدأت حساباته الإقليمية ترتد على الداخل الإثيوبي، مع تشكل تحالف يضم قوى مسلحة متباينة، في مقدمتها تيغراي وفانو وجيش تحرير أورومو. وأوضح في تصريح خص به «ألوان» أن آبي أحمد تعامل مع أزمات المنطقة بمنطق توسيع النفوذ وتوظيف الصراعات، متوهماً أن بإمكانه تحريك خيوط المشهد السوداني من خلف الحدود دون أن تمتد النار إلى الداخل الإثيوبي. وأضاف الرشيد أن من يفتح حدود بلاده لتغذية حرب الآخرين، ويسعى إلى إضعاف جواره، عليه أن يدرك أن الفوضى لا تحمل جواز سفر، وأن السلاح الذي يعبر الحدود قد يعود من الاتجاه المعاكس. وأشار إلى أن ما يحدث اليوم يمثل ثمناً سياسياً لسياسات آبي أحمد، إذ وجد نفسه أمام خصوم كانوا متفرقين، ثم جمعهم عامل واحد: مواجهة مشروعه للسلطة المركزية. وأكد أن المشهد يحمل رسالة واضحة: من يزرع الفوضى في جواره، قد يستيقظ يوماً ليجدها في قلب بيته.

جبهة قوية لإسقاط آبي أحمد

في نهاية الأمر، تبدو أديس أبابا أمام اختبار لم تكن تتوقعه؛ فالقوى التي سعى آبي أحمد إلى تطويقها أو استثمار صراعاتها، تتجمع اليوم في جبهة واحدة في مواجهته. وبينما تتسع العاصفة داخل إثيوبيا.