
الحوار السوداني .. اختبار صعب لتجاوز رواسب الحرب
الحوار السوداني .. اختبار صعب لتجاوز رواسب الحرب
تقرير: الهضيبي يس
أعلن الناطق الرسمي باسم لجنة تهيئة الحوار السوداني ـ السوداني، المهندس عثمان ميرغني، بدء اللجنة دعوة جميع القوى السياسية دون استثناء لعقد لقاءات تشاورية، تمهيداً لمؤتمر الحوار السوداني ـ السوداني. وقال ميرغني، في مؤتمر صحفي بمقر اللجنة بالخرطوم، إن اللجنة ستبدأ خلال الفترة المقبلة لقاءاتها مع القوى السياسية، مشيراً إلى أن الأسبوع المقبل سيشهد لقاءً خاصاً مع الكتلة الديمقراطية، يليه لقاء تشاوري مع بقية القوى السياسية. وأوضح أن اللجنة ستواصل لقاءاتها مع مختلف المكونات السياسية بهدف الوصول إلى أكبر قدر ممكن من التوافق حول القضايا المرتبطة بتهيئة الحوار، على أن تعمل لاحقاً على تلخيص نتائج المشاورات ووضع منصة يُبنى عليها مؤتمر الحوار. وكشف ميرغني عن تواصل مستمر مع القوى الدولية والإقليمية، مشيراً إلى اجتماع مرتقب خلال الأسبوع الحالي مع مجموعة من دول الاتحاد الأوروبي ولجنة قضايا السودان، إلى جانب لقاءات متواصلة مع منظمات ودول أخرى.
وأكد ميرغني أن اللجنة تتوقع إكمال أعمالها خلال فترة محدودة، معرباً عن أمله في انعقاد مؤتمر الحوار السوداني ـ السوداني قبل نهاية العام، لتختتم اللجنة مهمتها وتبدأ مرحلة جديدة عقب الحوار.
وقال عضو لجنة تهيئة الحوار السوداني ـ السوداني، نبيل أديب، إن اللجنة قدمت للمتحاورين ورقة تتضمن مبادئ وطنية عليا، إلى جانب ورقة أخرى تتعلق باللوائح المنظمة للحوار، مؤكداً أن ما تقدمه اللجنة يمثل مساهمة وليس فرضاً على المتحاورين، وأن القرار النهائي بشأنها يعود للمتحاورين.
وأوضح أديب أن ورقة المبادئ الوطنية تتكون من أربعة محاور أساسية، تتمثل في وحدة السودان، والحكم اللامركزي، والهوية السودانية الجامعة، والنظام الديمقراطي، مشيراً إلى أن المبدأ الأول يؤكد أن السودان يجب أن يظل دولة واحدة، وأن أي طرح لتقسيم البلاد أو إقامة أكثر من دولة داخل السودان يمثل أمراً غير مقبول، مبيناً أن الخلافات السياسية والمجتمعية يجب أن تُدار داخل دولة سودانية واحدة.
وأضاف أن المبدأ الثاني يتعلق بالحكم اللامركزي، باعتباره أحد الخيارات التي ترى اللجنة أنها ضرورية لمعالجة أزمات الحكم في السودان، موضحاً أن التجارب السابقة للحكم المركزي ارتبطت، وفق تقديره، بتراكم الصراعات والتمردات والحروب، بينما تركت اللجنة للمتحاورين تحديد مستوى اللامركزية وشكلها.
وفي ما يتعلق بالهوية، قال أديب إن الهوية السودانية يجب أن تكون هوية جامعة لمختلف الهويات الموجودة في البلاد، مع رفض قهر أو إقصاء أي هوية، وإتاحة المجال أمام جميع المكونات للتعايش والاعتراف المتبادل.
وأكد أن المبدأ الرابع يتمثل في النظام الديمقراطي، باعتباره الإطار الذي يمكن من خلاله إدارة التنوع السوداني، مشيراً إلى أن اللجنة لم تدخل في تفاصيل شكل النظام الديمقراطي، وإنما أكدت أن السلطة السياسية يجب أن تستمد شرعيتها من إرادة الشعب عبر انتخابات حقيقية.
ولفت أديب إلى أن هذا المبدأ يستدعي إصلاحات في القوانين المنظمة للعملية الانتخابية، حتى لا تتحول الانتخابات إلى وسيلة لإنتاج أنظمة استبدادية أو نتائج معدة مسبقاً، مؤكداً أن الشعب السوداني هو الذي يجب أن يقرر من يحكمه.
وبشأن لوائح الحوار، أوضح أن اللجنة طرحت مبدأ التوافق في اتخاذ القرارات، وفي حال تعذر ذلك يمكن اللجوء إلى إجماع نسبي بأغلبية مرتفعة، قد تصل إلى 90%، مع ترك التفاصيل النهائية للمتحاورين لإجازتها وتطويرها.
وكشف أديب عن بدء اللجنة اتصالات مع المكونات المجتمعية والسياسية والأهلية، موضحاً أن الاتصالات السابقة ركزت بصورة أكبر على المكونات المجتمعية، فيما تستعد اللجنة للانتقال إلى مرحلة توجيه الدعوات للمكونات السياسية. لافتاً إلى أن الدعوات ستشمل الكتل السياسية والأحزاب غير المنضوية تحت كتل، مؤكداً أن اللجنة ستوجه الدعوة إلى جميع الكتل السياسية، بما فيها الأطراف التي أعلنت مواقف رافضة للحوار، مشدداً على أن مواقف الأطراف لن تُحسم اعتماداً على ما ينشر في وسائل الإعلام، وإنما عبر التواصل المباشر معها.
مبيناً أن اللجنة ستتشاور مع المكونات السياسية بشأن موعد انعقاد الحوار ومكانه داخل السودان، باعتبار أن تحديد المكان يتطلب أخذ آراء المشاركين، إلى جانب التوافق على أجندة الحوار وبرمجتها قبل انطلاقه.
وأكد أديب وجود اتصالات مع عدد من الأطراف الإقليمية والدولية، موضحاً أن دور المجتمع الدولي في هذه المرحلة يتمثل في تيسير الحوار ودعمه، وليس المشاركة في صياغة قراراته أو فرض أجندته على المتحاورين.
وتعتبر مبادرة الحوار السوداني، التي انطلقت في السودان قبل أيام بالعاصمة الخرطوم، مبادرة تحظى بدعم ومساندة من قبل قيادة مجلس السيادة الانتقالي ومجلس الوزراء وقطاعات اجتماعات وتحالفات سياسية أخرى، منها (الكتلة الديمقراطية)، التي تضم في طياتها مجموعة حركات الكفاح المسلح الموقعة على اتفاقية جوبا للسلام لعام 2020، والحزب الاتحادي الديمقراطي، وعدداً من الإدارات الأهلية والعشائرية صاحبة الثقل السكاني بالبلاد.
ويؤكد الكاتب الصحفي والمحلل السياسي أيمن المدو أن مبادرة الحوار السوداني، في هذه الأجواء الداخلية التي تعيش فيها البلاد، تحتاج إلى مزيد من المجهودات، بمعنى أنها تواجه عدة تحديات، أبرزها تعزيز عوامل الثقة ما بين القوى والتنظيمات والتحالفات السياسية السودانية، لإزالة الرواسب والشروخ التي تولدت نتيجة لفعل الحرب، وأيضاً تحديد أولويات المبادرة، وقد أحسنت مؤخراً من خلال الإعلان عن جملة المبادئ العامة التي يتوقع أن تقوم عليها المبادرة.
ويضيف المدو: ولكن هناك أيضاً قضايا أعمق يتوقع التطرق إليها وفتح باب النقاش والحوار حولها، منها العلاقات السودانية الخارجية في الإطار السياسي الداخلي، ومساعي الاستعصام ببعض الأطراف التي لها مصالح ومشاريع تتخطى الحدود الداخلية، وهو ما نعاني منه الآن بعد اندلاع حرب 15 أبريل من عام 2023، إثر قيام تحالفات سياسية تحظى بسند خارجي، مما يؤثر على قضية (الأمن القومي) للدولة بصورتها الاجتماعية، ومواردها الاقتصادية، ومؤسستها العسكرية.
وزاد: كذلك ضرورة إدارة حوار حول قضية مستقبل السودان السياسي دون اللجوء لمنهج الإقصاء والانقلاب، والتوافق حول قيام جيش وطني واحد يكفل حفظ أمن وسيادة الدولة، وأيضاً إعادة هيكلة مؤسسات الدولة عبر نظام حكم منتخب يتوافق حوله السودانيون عن طريق دستور دائم وليس انتقالياً، يحدد طبيعة إدارة شأن الدولة، مع أهمية قيام مؤسسات الدولة العدلية باعتبار أنها أحد أهم أضلاع الحكم.
