أثيوبيا .. أزمة داخلية واتهامات جزافية

تقرير: الهضيبي يس

قالت الحكومة إنها تابعت الاتهامات الجزافية التي أطلقها رئيس أركان قوات الدفاع الوطني الإثيوبية، زاعماً دعم السودان للمعارضة الإثيوبية، وذلك في محاولة مفضوحة للزج بالسودان في الصراعات الداخلية التي تكتنف إثيوبيا.
وشددت الحكومة على نفيها القاطع لهذه المزاعم العارية من الصحة، والتي لا تستند إلى أي أساس أو دليل، مؤكدةً رفضها بصورة حازمة أية محاولات لإقحام السودان في قضايا أو صراعات داخلية لا علاقة له بها.
وهنا تود حكومة السودان التجديد والتأكيد على أن موقفها الثابت والمبدئي يقوم على احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والالتزام بالقانون الدولي ومبادئ حسن الجوار، وهو موقف ظلت الحكومة السودانية تعبر عنه بوضوح وثبات، وتتمسك به في علاقاتها مع جميع دول الجوار، بما فيها جمهورية إثيوبيا الفيدرالية الديمقراطية.

 

 

في المقابل، فإن حكومة السودان تؤكد مرة أخرى المعلومات الموثقة والأدلة القطعية بشأن استمرار إثيوبيا في تقديم الدعم والإسناد المباشر لمليشيا الدعم السريع الإرهابية، بما في ذلك التدريب والإمداد، فضلاً عن إتاحة استخدام الأراضي الإثيوبية في أنشطة عسكرية موجهة ضد السودان، من بينها إطلاق الطائرات المسيّرة الاستراتيجية والانتحارية من داخل الأراضي الإثيوبية، وهو ما يمثل تدخلاً مباشراً في الشأن السوداني وتهديداً لأمن السودان واستقراره وسيادته.
وتؤكد حكومة السودان أن أراضيها لم ولن تكون منطلقاً لأي نشاط يستهدف أمن واستقرار دول الجوار، وفي الوقت ذاته تؤكد أن سيادة السودان وأمنه الوطني لن يكونا محل مساومة أو تساهل، وأن السودان يحتفظ بحقه المشروع في اتخاذ كل ما يلزم لحماية أراضيه ومواطنيه والتصدي لأي تهديد يستهدف أمنه واستقراره، وذلك وفقاً لما يقتضيه القانون الدولي.
ودعت حكومة السودان الجانب الإثيوبي إلى توخي المسؤولية الحقيقية في رعاية مبادئ حسن الجوار، والكف عن كل ما من شأنه أن يقود المنطقة إلى مزيد من التوتر والاضطراب.
وجددت حكومة جمهورية السودان حرصها الكامل على إرساء مبادئ الاحترام المتبادل، وحسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، واحترام السيادة الوطنية، بما يخدم مصالح شعوب المنطقة ويحفظ أمنها واستقرارها.
ولم يكتفِ السودان عند ذلك الحد، وإنما سارع بالرد على الاتهامات التي صوبها رئيس الأركان الإثيوبي بحق البلاد بشأن دعم ومساندة جبهة مقاتلي تحرير إقليم «تيغراي»، لإشاعة الفوضى في إثيوبيا وقيادة حرب أهلية ضد الحكومة المركزية لرئيس الوزراء أبي أحمد، حيث نفى الجيش السوداني ما ذهب إليه رئيس الأركان الإثيوبي، واعتبر المسألة محاولة يائسة هدفها التغطية على الأزمة الداخلية التي تعيشها إثيوبيا.
بينما اندلعت مواجهات عسكرية منذ زهاء الأسبوع بين مقاتلي جبهة تحرير إقليم تيغراي الإثيوبي والجيش الفيدرالي، الأمر الذي أفضى إلى سيطرة مقاتلي «تيغراي» على مطار عاصمة الإقليم، مكلي، فضلاً عن اجتياح الأسواق والمحال التجارية وقاعدة الإقليم العسكرية التي كان يتمركز فيها سابقاً جنود الجيش الفيدرالي، وتأتي الخطوة عقب الإعلان عن قيام تحالف عسكري، سياسي بين (6) أقاليم إثيوبية لمجابهة النظام الفيدرالي المركزي، حسبما ذكر بيان سابق لتحالف بين جبهة مقاتلي تيغراي، وإقليم «فونَو» وإقليم «العقر» على الحدود الإثيوبية الصومالية، ووصف نقص الخدمات وعدم الالتزام بما ورد في اتفاق بريتوريا بجنوب أفريقيا لعام 2021 بين قيادة مقاتلي جبهة «تيغراي» وحكومة رئيس الوزراء أبي أحمد، إثر مفاوضات امتدت لأشهر حول قضايا توفير الخدمات وقسمة السلطة والثروة لأبناء الإقليم، بالمقابل صوّب الجيش الإثيوبي المدفعية الثقيلة، وقام بقطع خطوط الاتصالات وتعليق حركة الطيران لمطار العاصمة «مكلي»، كما استهدف بعض المواقع الاستراتيجية بطائرات بدون طيار (المسيّرات) حتى الآن.
ويؤكد الكاتب الصحفي والمحلل السياسي أنور إبراهيم أن التطورات المتسارعة في الداخل الإثيوبي ما هي إلا نتيجة لتراكم عدة عوامل، منها ما يحمل التصريف السياسي والاجتماعي، وكذا العسكري، سيما وأن انعدام الثقة بين الأطراف الإثيوبية، خاصة ما بعد صعود أبي أحمد للسلطة، وأيضاً اعتبار ما حدث هو تقليص لمساحات وجود أبناء إقليم «تيغراي»، الرقعة الجغرافية الأشهر التي ينحدر منها رئيس الوزراء الأسبق الراحل مليس زيناوي. إذن، هناك بروز لعامل اجتماعي مدفوع بفعل عسكري وضع ثقاب الكبريت أمام البنزين لإشعال الأزمة، وهو أمر كان متوقعاً باعتبار أن رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد قام بإحداث تغيير اجتماعي داخلي على مستوى تركيبة السلطة، بصعود مجموعات أخرى مثل أبناء إقليم الأمهرا.
ويضيف أنور: وعلى صعيد توجيه أصابع الاتهام للسودان، فإن مبعث البحث عن متنفس للأزمة كان من الطبيعي أن تسارع الدوائر الإثيوبية في اتهام السودان بتأجيج الوضع داخلياً ودعم مقاتلي إقليم جبهة تيغراي لعدة اعتبارات، بدءاً بحالة القرب الجغرافي والتداخل الحدودي، وأيضاً إدراك حجم الدور الذي قامت به أديس أبابا خلال الأشهر الماضية تجاه حرب السودان من الناحية الجنوبية عند حدود إقليم النيل الأزرق، وفتح أراضيها لعناصر الدعم السريع في توجيه ضربات عسكرية بحق الجيش السوداني، دون إبداء أي مبرر للخطوة، وهو ما يولد عدة مخاوف من حجم التقارب السوداني المصري وحالة التنسيق المشترك، بما قد يحدث قدراً من إثارة الأزمة لإثيوبيا ويعطل ما ترنو إليه آلية من مشروع بإعادة التموضع بمنطقة القرن الأفريقي.
وزاد: ومن المؤكد أن ما يجري في إثيوبيا له من التأثيرات والأبعاد ليس على مستوى الوضع الداخلي فقط، وإنما على بعض دول الجوار مثل الصومال، وجيبوتي، ويوغندا، من حيث تنشيط عمليات الجماعات الإرهابية مثل جماعة «الشباب» التي تنشط على الحدود الإثيوبية الصومالية، علاوة على تدفق اللاجئين حال اشتداد القتال بين جبهة مقاتلي إقليم تيغراي والجيش الفيدرالي ناحية السودان شرقاً، ما قد يشكل عبئاً إضافياً على الحكومة السودانية بصورة أمنية وإنسانية. إذن، الأزمة لابتدار حوار مشترك وعميق من قيادة الدولتين للتوصل لحل يخفف الآثار التي ستقع على كل طرف.