إعادة المجذوب إلى منصة التتويج من جديد

كتب: محرر ألوان

كان المجذوب عليه الرحمة كاتباً كبيراً وتشكيلياً وحافظاً للقران وهو ابن العالم الفقيه والشاعر وأحد أساتذة المعهد العلمي الكبار الشيخ مجذوب جلال الدين (راجل الدامر) وقد رثاه (عكير) بقصيدة رصينة منها:

وابل ما بِصُب من غير سِحاب مِتقَّلِع
وعالم ما بِجَّلِس غير يكون مِتضّلِع
غير التقوى سِلِم لي الوصول ما بطلع
نار العود تموت نار العلم بتولِع

وهو ابن عم البروفيسور عبدالله الطيب وصديق صباه، وفوق ذلك كله كان المجذوب متمرداً كبيراً على رتابة الحياة والأشياء وناقداً لعوالم الأفندية. والذي لا يعلمه كثيرٌ من الناس أنه كان رئيس الحسابات بوزارة الخارجية، وهو من الذين كتبوا القصيدة المُقفاة (ابنة البحور) فأجادوا وكتب قصيدة (التفعيلة) فبز أصحاب الحداثة وهو رجل له فلسفة في الحياة وسخرية لاذعة. وقد نُشرت أغلب دواوينه في حياته منها (نارالمجاذيب) و(الشرافة والهجرة) و(منابر) و(تلك الأشياء). وقد صدرت له مجموعة أعمال بعد وفاته، منها مسرحية (شحاذ في الخرطوم) وديوان (ديوان القسوة في الحليب) و(أصوات ودخان) وبقيت مجموعة من المتفرقات المبثوثة في الصحف والدوريات نرجو أن تجد طريقها للنشر مع المجموعة الكاملة.
ابتدر المجذوب حياته العامة منتمياً للحزب الجمهوري عندما كان حزباً سياسياً يدعو للاستقلال ومحاربة الطائفية والاستعمار، وعندما أعلن الأستاذ محمود عن فكرته الجديدة وتركه للشعائر المتعارف عليها عند المسلمين والمعلومة بالدين بالضرورة ومنها الصلاة تقدم محمد المهدي باستقالته من الحزب ومعه صديقه الشاعر منير صالح عبدالقادر وآخرون. وعندما كان محمود سجيناً سياسياً كتب في حقه المجذوب قصيدة تعد من الوطنيات المعدودة، وكان شعره حافلاً بالوطنيات والانتماء للبلد وأهله والمساكين وعامة الناس ومن القصائد التي اشتهرت بين العامة والخاصة (أوبريت المولد) الذي أداه الموسيقار الراحل الأستاذ عبدالكريم الكابلي، وعندما عاتبه أًصدقاؤه وتلاميذه من صبيان اليسار وفي جلساتهم الخاصة وغالوا في نقده والتطاول عليه بعد أن كرّمه الرئيس جعفر نميري في مهرجان الثقافة قال بطريقته الساخرة: (لم يكرمني نميري ولكنني كرمته بحضوري وأنا بحكم معرفتي وتربيتي أُفرق تماماً بين الدولة والسلطة).
وقد قال لي وردي لقد كنت أحفظها عن مهدي ورددت بها الشاتمين حينما زارني الرئيس البشير وابن أهلي عبد الرحيم محمد حسين بمنزلي قلت لهم: (أنا لست أكثر وطنية وموهبة من محمد المهدي مجذوب ولكنني مثله أفرق ما بين الدولة والسلطة).
وقد اشتهرت في منابر الليالي السياسية لأغلب الأحزاب قصيدة محمد مهدي مجذوب الناقدة للراهن السياسي ولمواقف بعض العملاء والخونة الذين تكاثفوا في كل المواسم السياسية في بلادنا الطويلة القامة الحافية القدمين. يقول هذا النص البديع المترف بالمعانى والحكمة والنصيحة
ذَهبَ الألى كانوا اليقينَ لموطنٍ
كم ضاع بين مُنافِقٍ وكفـُورِ
من ذا يردُّ الجامحينَ وما انبرَوْا
كرماً ولا دفُعوا رصَاصَ مُغيرِ
من كلّ مندلعِ اللسَانِ سَفَاهةً
خـرعِ الفؤادِ إذا أهينَ فَخـُورِ
أعمى تلفَّـتَ كالنعامةِ رأسُـه
كرةٌ بملعب فتنةٍ مَسْجُورِ
يَعْتـاشُ من ذهبِ العدو وقيده
حُرّاً عليه مهانةُ المأجُورِ
من ذا يردُّ الجامحينَ وما خَبَا
شغبُ النديِّ ولا شَبابُ الزُّورِ
هذا مقامٌ لستُ فيه بلائـمٍ
يَشكُو ولستُ بعاجزٍ مقهـُورِ
ما كلُّ خطـب أبتليه ذريعةٌ
لملامةٍ أو حُجّةٌ لقَصـيرِ
في كلِّ هول كم يُروِّعُ فجعةٌ
وطني لهيبُ دُخانِها المنشـورِ
أخشى غداً فتناً تمزِّقُ موطنـًا
لم تبقَ فيه مكانةٌ لضمـير
إني لأبصـرها ولستُ بكاهـنٍ
شَنْعاءَ تلحقُ آسراً بأسـير
هاتِ اسْقني فلقد سئمتُ وربّما
ألقى بكأسِي سـلْوتي ومصيري