
أكتوبر.. باسمك الشعب انتصر
أكتوبر.. باسمك الشعب انتصر
بقلم: بكري يوسف البُر
كلما جاءت ذكرى ثورة أكتوبر، نعود إلى الشوارع والهتافات والإضراب وسقوط نظام عبود، وكأن الحكاية انتهت. نعرف من خرج، ومن اعتُقل، ومن استُشهد وروى بدمه الأرض، وكيف سقط النظام خلال خمسة أيام، وكيف كانت ثورة أكتوبر صدمة ثقافية للجيل الجديد فيه وعي باللحظة التاريخية، ثم نمضي. لكنني، كلما عدت إلى أكتوبر، وجدتني أسأل سؤالًا مختلفًا: ماذا فعل الأدب بهذه الثورة؟ وماذا فعلت الثورة بالأدب؟
أقول ذلك لأن أكتوبر السودانية لم تعش في السياسة وحدها. وربما العكس هو الأهم، فقد تكون السياسة قد صنعت لحظة أكتوبر، لكن الأدب هو الذي أخذ تلك اللحظة من الشارع ووضعها في وجدان الناس. أخذها من المظاهرة إلى القصيدة، ومن القصيدة إلى الأغنية، ومن الأغنية إلى أجيال لم تكن قد ولدت يوم خرج الناس إلى الشوارع.
أكتوبر التي حدثت في الشارع لها تاريخ، أما أكتوبر التي حدثت في الأدب فلها عمر نُسج بخيوط ضوء، ستنير الطريق كلما أطلَّ ظلم ترك البيوت مغمى عليها من الخراب.
ولهذا لا أريد أن أكتب هنا عن أكتوبر بالطريقة التي اعتدناها، ولا أن أعيد سرد وقائعها السياسية. ما يعنيني هو ذلك الجانب الذي ظل يغيب كلما تحدثنا عن الثورة: كيف استطاعت قصيدة وأغنية ومسرحية أن تحفظ لثورة قصيرة الأيام حياة امتدت عقودًا؟ وكيف استطاع الأدب أن يبقي سؤال أكتوبر حيًّا، بينما انتهت التجربة الديمقراطية التي جاءت بها بانقلاب 1969؟
هنا تبدأ الحكاية التي أريد أن أرويها: حكاية أكتوبر حين انتصر الأدب على السياسة.
في الشارع كانت هناك مظاهرات وإضراب عام ومواجهة مع نظام الفريق إبراهيم عبود، وسقط أحمد القرشي طه، الطالب الذي أصبح مقتله شرارة الثورة، ثم لم تمضِ سوى أيام حتى سقط النظام وبدأت مرحلة جديدة من الحياة السياسية. لكن ما بقي في ذاكرة الناس لم يكن محاضر الاجتماعات ولا تفاصيل المفاوضات وحدها، وإنما الكلمات التي تحولت إلى أغانٍ، والأغاني التي تحولت إلى ذاكرة جماعية.
هنا يظهر محمد المكي إبراهيم (شاعر الأكتوبريات) كما صار يُعرف. كتب بعد الثورة عددًا من القصائد والمقالات، وكانت (أكتوبر الأخضر) بصوت محمد وردي واحدة من أكثر الأعمال التصاقًا بصورة أكتوبر في الوجدان السوداني. وفي (باسمك الشعب انتصر) لم يعد الشعب مجرد جمهور يقف على الرصيف يشاهد الثورة، وإنما صار هو بطلها وصاحب النصر. (ومن غيرنا يعطي لهذا الشعب معنى أن يعيش وينتصر؟) كان السؤال نفسه جزءًا من صناعة المعنى.
ولم يكن محمد المكي وحده. فضل الله محمد كتب (أكتوبر واحد وعشرين) وهو في السجن الحربي، ثم خرج بها، وحملها محمد الأمين إلى الناس بعد الثورة، فتحولت القصيدة إلى نشيد ارتبط بأكتوبر. وكتب صلاح أحمد إبراهيم (21 أكتوبر)، وكتب محمد عبد الحي (عريس المجد) في رثاء أحمد القرشي طه، وكتب هاشم صديق (قصة ثورة)، التي تحولت إلى عمل غنائي ومسرحي شارك في صياغته الموسيقية محمد الأمين، وقُدِّمت على المسرح القومي.
ولعل اللافت أن هذه الأعمال لم تبقَ في الكتب. دخلت البيوت والمدارس والنوادي، وصارت بعض أبياتها وألحانها جزءًا من الذاكرة اليومية. وأنا، حين أبحث في ذاكرتي عن أكتوبر، أجد أن علاقتي بها بدأت قبل أن أعرف شيئًا عن السياسة أو الأدب.
كنت في الرابعة من عمري في أكتوبر 1964، وأذكر إحدى زيارات والدتي لأهلها في أم درمان. كنت واقفًا أمام منزل جدي في حي مكي ود عروسة، أراقب أرتالًا من الناس تمر في الشارع، يحملون أحدهم على الأكتاف، وكنت أتعجب: لماذا يحملون شخصًا هكذا؟! ويهتفون بكلمات لم أتبين معناها يومها. كانوا يتجهون جنوبًا في ذلك الشارع الذي كان يضم سكن الأميرالاي عبد الله خليل، وإلى شرقه مباشرة منزل القائد اليساري الأستاذ عبد الخالق محجوب، وكان يجاوره أيضًا جامع وحوش السيد المكي بن إسماعيل الولي.
لم أفهم يومها من هو المحمول على الأكتاف، ولا ماذا تعني الهتافات، ولا لماذا خرج هؤلاء الناس إلى الشارع. كنت طفلًا في الرابعة، وكل ما بقي عندي هو المشهد نفسه: الناس بجموعهم، والأكتاف التي تحمل الناس، والحركة ذات الإيقاع الحماسي، والصوت الجهور بغضبه البائن، والشارع الهادر بالناس، كمشهد غريب بالنسبة لي وقتئذ.
مرت أكثر من ستين سنة، وما زالت تلك الصورة في مكان ما من الذاكرة. وما أدهشني أنني كلما عدت إلى أكتوبر الآن، لا أجدها فقط في الكتب التي قرأتها بعد ذلك، وفي مذكرات الأستاذ فاروق أبو عيسى، أو البروفسر الأمريكي كليف تومسون، وإنما أجدها أولًا في ذلك الطفل الواقف أمام منزل جده، يرى شيئًا أكبر من قدرته على الفهم. كأن أكتوبر دخلت ذاكرتي قبل أن يدخل تفسيرها.
ثم جاءت القراءة، وجاء الأدب، وجاءت الأغاني، فأعطت ذلك المشهد الذي لم أفهمه يومها أسماء ومعاني. وهنا أعود إلى الأبيض.
في المرحلة المتوسطة كان الأستاذ إبراهيم عبد العزيز محمود يدرسني في المدرسة. كنت أعرفه من الفصل، من حديث الأستاذ مع تلاميذه، ولم أكن أعرف أن وراء الأستاذ أديبًا له عالم آخر في الإبداع. أذكر الأستاذ بأناقته اللافتة وإجادته في تدريس العلوم والرياضيات، وعرفت أن إبراهيم عبد العزيز كتب (لا تؤرقي صمتي)، وأن أكتوبر حاضرة في الرواية، وأن من أحداثها مقتل طالب خلال المظاهرات. عندها بدت لي المسألة أكبر من مصادفة. الرجل الذي كان يقف أمامي في فصل في الأبيض، اكتشفت بعد عقود أن له مكانًا في الحكاية الأدبية التي احتفظت بشيء من روح أكتوبر.
ومن هنا فهمت أن الأدب لا يصل إلينا دائمًا من الكتب التي نبحث عنها، وإنما قد يدخل حياتنا من المدرسة، ومن أغنية نسمعها، ومن مسرحية نشاهدها، ومن شخص نلتقيه ثم نكتشف بعد سنوات أن له أثرًا في تلك الحكاية الكبيرة التي كنا نظن أننا نعرفها.
وهذا، في ظني، هو سر قوة الأدب في أكتوبر. لم يكن مجرد تسجيل للحدث، وإنما كان وسيلة انتقلت بها أكتوبر من جيل إلى جيل. ربما لم يكن البعض قد وُلد يوم في أكتوبر 1964، لكننا رددنا أهازيج أكتوبر، وحفظنا شيئًا من كلماته، حتى أصبحت الثورة جزءًا من ذاكرتنا نحن أيضًا.
وهنا تذكرت غوستاف لوبون، لا لأضع أكتوبر في كتابه، وإنما لأن تجربتنا تجعل فكرته عن قوة الجماهير حين تتوحد حول شعار أو معنى جديرة بالتأمل. وهذا ما حدث في أكتوبر، توحد الناس حول إسقاط الحكم العسكري، لكن بعد سقوطه تغير السؤال، لم يعد المطلوب إسقاط نظام، وإنما بناء دولة وإدارة اختلافاتها. وهنا ظهر الفرق بين قوة الشارع في صناعة الثورة، وقدرة السياسة على صناعة ما بعدها، نجد أننا ركبنا خيل الأسف بجمر الصراع الذي دار ويدور، وتبخر عرق الشارع في فضاءات ذلك الصراع، وكتبنا في كراسة أحلامنا بداية حُفر المكائد، وهل كان الساسة حينها أصغر من التحديات الماثلة؟! لا أدري…
كأننا كنا نعرف كيف نجمع الناس حول الثورة، لكننا لم نعرف بالقدر نفسه كيف نجمعهم حول الدولة.
ولا أظن أن المشكلة كانت في الشعب، ولا أن أكتوبر كانت وهمًا. فقد كانت ثورة شعبية حقيقية شاركت فيها قوى سياسية ونقابية وطلابية ومهنية، واستطاعت بالفعل أن تنهي حكمًا عسكريًا. المشكلة جاءت في المسافة بين لحظة الانتصار ولحظة بناء ما بعد الانتصار. هناك، حيث ينتهي الهتاف وتبدأ التفاصيل الصعبة، تظهر قدرة السياسة أو عجزها.
وهنا يعود الأدب مرة أخرى، ولكن من باب مختلف. الأدب استطاع أن يحفظ وحدة المعنى التي لم تستطع السياسة أن تحافظ عليها. بقيت القصيدة تقول إن الشعب انتصر، وبقيت الأغنية تستدعي أكتوبر، وبقي المسرح يعيد رواية القصة، بينما كانت السياسة تدخل في صراعاتها حول السلطة والدستور والحزب والحكومة، كما قال صلاح أحمد إبراهيم يومًا: (قادة الخرطوم… أيا كانوا يرتجلون المعرفة والقرار).
ولهذا ربما ظلت أكتوبر في الشعر والغناء أطول مما ظلت في السياسة.
الثورة نفسها كانت فعلًا سياسيًا في جوهره، ولم يكن الشعر ليغير نظام عبود وحده. لكن الأدب فعل شيئًا آخر، أخذ اللحظة ومنحها حياة أطول منها. أخذ الشهيد، والشارع، والهتاف، والخوف، والفرح، وحولها إلى ذاكرة يستطيع جيل لم يعش أكتوبر أن يدخل إليها من خلال أغنية أو قصيدة أو كتاب أو مقالات.
وربما لهذا لا أريد أن أكتب عن أكتوبر باعتبارها ثورة نجحت أو فشلت. ما يهمني هو هذا الأثر الذي تركته في الثقافة السودانية. فقد تحولت أيام قليلة من المواجهة السياسية إلى قصائد وأغانٍ ومسرحيات وروايات بقيت حاضرة، بينما تغيرت الحكومات وتبدلت التحالفات وانتهت التجربة الديمقراطية بانقلاب 1969، ومن يومها شققنا جداول من الأحزان والخيبات المتتالية.
وحين أسمع اليوم (باسمك الشعب انتصر)، لا أسمع فقط نشيدًا، أسمع صوت جيل كان يعتقد أن بإمكانه أن يبدأ السودان من جديد. وهنا يصبح السؤال أقرب إلينا من أكتوبر نفسها: لماذا بقي الحلم في الأغنية، ولم يجد طريقه كاملًا إلى الدولة؟
ربما كانت هذه هي المفارقة التي تركتها لنا أكتوبر، أن السياسة صنعت اللحظة، والأدب أبقاها حية، بحشمة وصدق أدبها.
ولذلك، حين تعود أكتوبر كل عام، لا تعود من كتب التاريخ وحدها. تعود من صوت وردي، ومن محمد الأمين، ومن قصائد محمد المكي وفضل الله محمد وصلاح أحمد إبراهيم ومحمد عبد الحي وهاشم صديق، ومن ذاكرة رجال ونساء عاشوا تلك الأيام، ومن مدارس الأبيض التي قد تخبئ لنا، دون أن ندري، أديبًا يقف أمامنا في الفصل ثم نكتشف بعد نصف قرن أن له مكانًا في قصة أكتوبر.
وهكذا تظل أكتوبر أكثر من يوم في التاريخ السوداني. إنها لحظة سياسية انتهت، وحكاية أدبية لم تنتهِ بعد، وبقدح بصيرة ننهل منه متى ما احتجنا لزاد معنوي في كسر الظلم.
ومع كل ما مر بنا من زعازع، وقلة الأوتاد، وتهارج سياسي، ربما آن لنا أن نردد مرة أخرى، لا باعتبارها أغنية من الماضي، وإنما باعتبارها سؤالًا موجَّهًا إلينا:
ولسه بنقسم يا أكتوبر
لمّا يطل في فجرنا ظالم
نحمي شعار الثورة نقاوم
