في ذكرى رحيل محمد المكي إبراهيم

في ذكرى رحيل محمد المكي إبراهيم

+++

كلمات وكلمات

صلاح الباشا

تقديم:
مرت مع نهاية سبتمبر الماضي، الذكرى الثانية لرحيل الأستاذ القامة، الشاعر والأديب والدبلوماسي القدير محمد المكي إبراهيم، المقيم بأمريكا منذ سنوات طويلة، ليتوفاه الله تعالى بالقاهرة في ٢٨ سبتمبر ٢٠٢٤م، ويدفن في مقابر ٦ أكتوبر. وقد وجدت في الأسافير مقالًا له سبق أن تم نشره بصحيفة الخرطوم في العام ٢٠٠٦م، بعد أن كللت جهودنا الصحفية في تجديد جواز سفره الدبلوماسي وهو بأمريكا، بعد أن رفض القسم القنصلي في سفارة السودان بواشنطن تجديد جواز سفره الدبلوماسي بسبب أناشيده الوطنية الناقدة، بالرغم من خدمته ثلاثين عامًا في السلك الدبلوماسي، علمًا بأن قانون الوزارة يمنح الدبلوماسي الحق في الاحتفاظ بالجواز الدبلوماسي الأحمر إن خدم بها لمدة خمسة عشر عامًا فقط.
وها هو الأستاذ محمد المكي في مقاله ذاك في العام ٢٠٠٦م يكتب بلغة سودانية حميمة، ويسرد فيها بعض ماضيه وماضي بلادنا، ويشكر من يستحق الشكر.
حيث قال في لوحة أدبية (فاخرة) ما يلي:

كلمات شكر.. لمستحقي الشكر

بقلم: محمد المكي إبراهيم

ibrahimelmekki@hotmail.com

لقد خاض الصديق صلاح الباشا نيابة عني ولصالحي غمار حرب عبر جريدة الخرطوم ومواقع النت (سودانايل… سودانيز أون لاين)، حقق فيها من الظفر ما لم يتحقق لكل حركات فصائل بلادي المسلحة، ففي زمن الحروب الطويلة غير الحاسمة، حقق صديقي بالقلم ما لم يحقق الثوار من حملة السلاح، وفي مدى أقل من أسبوع من حملة الرجل الواحد التي نشرها على صفحات الخرطوم وبمواقع النت السودانية، عاد صديقي الكاتب ببيرق النصر المؤزر، أو بالأحرى بيرق النصر الأحمر، لكونه استعاد لي جواز السفر الدبلوماسي الأحمر اللون، والذي جبت به الدنيا قريبًا من نصف قرن من الزمان، منها ثلاثون في الخدمة الفعلية، وعشر منها في خانة الاستيداع في حوالي العاصمة الأمريكية، فيما يسميه البعض بنضال الفنادق.
والله شهيدي أنني لم أدخل في تلك السنوات العشر سوى فندق أو فندقين للاحتفال بزفاف أبناء وبنات الجالية السودانية بعضهم لبعض، ولم يصدر عني أي بلاغ عسكري “بإبادة” أي عدد من جنود البلاد، بل كان كل همي الإبداعي هو التعبير عن حالة أولئك المساكين، وغالبيتهم من أبناء بلادي الفقراء الذين تغنيت – عبر الأستاذ وردي – بمناقبهم قائلًا:
سأغني
لأبناء بلادي البسطاء
ولأبناء بلادي الفقراء
الذين احتقروا الموت فعاشوا أبدًا
والذين اقتحموا النار
فزدنا عددًا.
وبالمقابل شمل غنائي مساكين الجنوب وهم يحلمون بسودان جديد، وفقراء دارفور وهم يتجرعون المر، والأمر منه تلك القسمة الجديدة التي قال عنها المجذوب:
لابد من قسمة أخرى
بميزان من النقمة.
أما أهل الشرق الكرام، فيكفيك أن المُر والأمر منه جزء من مسماهم بين الشعوب والقبائل، فهم شعوب الحلنقة والأمرأر، ممن (يشربون المر والليالي تمر ويبقى مر في مر).
في الكتب القديمة (يدش) المؤلف-غفر الله له- ما شاء له الدش، ثم يعود إلى موضوعه تحت عنوان (رجع الحديث) أو (وصل ما انقطع)، وأراني بحاجة لهذا الأسلوب في الكتابة مغالبة لرغبة الدش التي تملكتني وأنا موزع الخاطر بين الإشادة بانتصار صديقي صلاح الباشا، وبين الذي يفور في قلبي ولا أجد من المناسب أن أتركه يفور، وبين صورة أيامي المقبلة إذا عدت إلى فصيلة حاملي الجواز الأحمر. وتعود هذه الفورانات إلى قصة شيخ مثلنا من أهلنا الشوايقة، بلغ من العمر ما بلغ، ولكنه كعادة أهل السودان لم يشبع من جنس الحريم. وكل سنة سنتين يطالب الأولاد والأحفاد بتزويجه، ولكن القدر يتدخل في كل مرة ليحول دون ذلك، ففي كل مرة كان يفقد النظر في إحدى عينيه، فيقال له:
العرس يطير، خلينا أول نداوي لك عماك.
ويؤخذ العريس إلى مصر ليجري عملية التشليق، ويعود ليطالب بالعرس، فيذهب النور من عينه الأخرى، ويؤخذ ثانية إلى مصر، وهذه المرة ذهب نور عينيه جميعًا، فأخذ يردد:
أنا قلت لكم بفور لي في عيوني. (يقصد الرغبة في العرس).
والله يعلم ما يمور بقلبي ويفور فيه، ولكن يا كنيسة الرب، ما في القلب في القلب.
كان أول جواز دبلوماسي أحصل عليه صادرًا في عام 1965 بتوقيع واحد من أفذاذ الرجال في السودان، هو البروفسير محمد إبراهيم خليل، وزير الخارجية آنذاك، وذلك للاستفادة من بعثة دراسية في باريس بصحبة السفراء يوسف مختار (ألف رحمة على شبابه)، وفاروق عبد الرحمن، وهاشم التني، وطه أبو القاسم (وكلهم ممن تحلو بذكره المجالس ويطيب السمر)، ويبدو أن البعض نفس علينا تلك الفرصة الذهبية للقاء حضارة اللاتين، فأشاعوا أن وزير الخارجية وقتذاك، والمنتمي لحزب الأمة، منحاز لأبناء الغرب، يختصهم بسمين اللحم دون الآخرين. ولم يكن بيننا واحد منتمٍ لحزب الأمة، ولم يكن أبو القاسم من أبناء الغرب، رغم أنه من خريجي خورطقت التي كانت وقتها أعلى منارات العلم في كردفان. ومن بعد البروفسير الوزير حملت لعدة سنوات جوازًا موقعًا بيد العالم الأديب الأريب، وزير الخارجية الأسبق الدكتور منصور خالد. فتأمل بمن ابتلاني، على رأي القائل: ولو أني بُليت بهاشمي.
يقول أهلنا الختمية: (يا ميرغني) عند الشدائد، ونحن الإسماعيلية درجنا أيضًا على قولة (يا الشيخ إسماعين ويا السيد المكي)، حتى أن قريبنا الذي ركب المركب فجنحت للغرق قفز منها صائحًا: السيد المكي، أني طوبايتك، كناية عن عدم معرفته بالسباحة وطلبًا للغوث من ذلك الولي القطب. وأذكر للوالدة، رحمها الله، أنها تعثرت ونحن في مدخل الحرم المكي، فقالت: يا الشيخ إسماعين، ثم استدركت وقالت: يا الله ويا أهل الله. والشيخ إسماعيل الولي من أكثر أهل الله بوحًا بنعم الله، وله ديوان من الشطح الصوفي يقول فيه ما لم يقله إلا أقل القليل من رجالات الصوفية، ولا ضريع له في ذلك إلا الحلاج. وفي أول ظهوره في كردفان، أنكر عليه الأتراك وعلماؤهم، فحبسوه في قلعة المديرية التي لا زالت قائمة حتى الآن. وتقول الروايات المتواترة إنهم كانوا يأتون في الصبح فيجدونه خارج غرفة السجن يصلي ويتلو. فعند ذلك أخرجوه من السجن وتتلمذوا عليه. وكان من بين من تتلمذوا عليه جدنا الأكبر الخليفة مساعد عيسى الأنصاري، راجل (مشو)، الذي هجر وظيفته في حكومة الأتراك وانضم إلى قنديل كردفان.
في زماننا هذا آلت قيادة الإسماعيلية إلى شيخنا العارف بربه الولي الكامل السيد البكري بن السيد تاج الأصفياء بن إسماعيل الرقيق بن السيد المكي بن الشيخ إسماعيل الولي. وقد اختاره الله إلى جواره في العام الميلادي المنصرم، فأحرق فقده حشا المكارم والمكرمات، وخلفه ابنه، سمي جده الشيخ إسماعيل الولي، قواه الله على مسؤولياته الجسام، وحفظه ذخرًا للمكرمات.
صديقي صلاح الباشا أشار إلى هؤلاء الكرام في كلمته الأولى، فكأنما ندههم لما هو بصدده من البر بصديقه، فخفوا إليه عجالًا مسرعين. وفي كل الأحوال ما توفيقي إلا بالله، وإذا أراد الله أمرًا هيأ أسبابه، فالحمد لله الذي امتحن صبرنا الطويل، ليظهر لنا فضائل التمسك بدينه القويم، إذ إن فضائل دينه لا تحتاج إلى تبيان، والمحك الحقيقي هو التمسك بقيم الإسلام في عفة اليد وطهارة اللسان.
فنحن الشعراء نرى ذلك النور الذي يشع من وجوه الصالحين، شأن مولانا السيد البكري، وقد حججنا معه عام 1982م، وكان الحجاج يؤخذون بنور الصلاح في وجهه ويسألون: من هذا؟
هذا التقي النقي الطاهر العلم
وما سؤالك من هذا بضائره
العرب تعرف من أنكرت والعجم.
وقال حافظ الشيرازي في رثاء أهل البيت وسرد مصارعهم:
وحق الكريم
لو وقعت ذبابة على دماء هؤلاء الطاهرين
لصار الشهد في فمها علقمًا
إلى يوم القيامة.
لقد هبّ أخي صلاح الباشا لنجدتي، فجاء الخير على يديه بلا كثير عناء (نصر من الله وفتح قريب)، وجاء يعلن القرار واحد من قبيلة الكرام الكاتبين، هو أخونا السفير جمال محمد إبراهيم، وهو حاليًا الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية، وأحد الذين أبلغتهم إعجابي وتقديري لما يكتبون قبل أن يتبوأ منصبه الجديد بأعوام. وهذه سنة اتخذتها لنفسي بعد أن تقدمت بنا السنون، وصفت نفوسنا، وانفتحت عيوننا على قدرات الآخرين ونفائس ما ينطوون عليه من جمال. ومع ذلك تبقى في النفس أشياء من حتى، فهنالك آخرون يستحقون الإشادة لم تتح لي المناسبات لأذكرهم بالخير، منهم صديقي وابن (حتتنا) الأستاذ عاصم عطا صالح، خبير الاستراتيجية المعروف (ستفن هادلي بتاعنا)، ومنهم الصحفي اللامع طه النعمان، والصحفي المقتدر ضياء الدين البلال، والصحفي المغترب الدكتور عبد المطلب صديق، والدكتورة آمنة ضرار، القيادية في حركات الشرق المطلبية، وآخرون في مجال العمل الخاص والعام يحسنون ما يفعلون. والحال أنه لا سبيل لحب الوطن إذا كان الوطن وما فيه ومن فيه مثالب ومعايب لا تتخللها “جهشة ضوء”، كما قال الشاعر، فالحمد لله كثيرًا أن جعل الخير في كرام أبناء شعبنا وبناته.
وقد أعاد لي السفير جمال شيئًا عزيزًا كنت على وشك افتقاده، هو الوفاء في أهل الوزارة الأم، فإنني قد ساقيتهم من الود أصفاه، ولم أجرؤ يومًا من الأيام على استنكار بقائهم في مراكزهم أو مطالبتهم أن يأخذوا أنفسهم بما أخذت به نفسي من الأمر، فذلك تمجيد للذات أربأ بنفسي عنه، كما أنه ينطوي على كثير من التدليس. أقول إن زميلي جمالًا قد أعاد لي ثقتي بالرجال في الوزارة الأم.
وللحقيقة أقول.. كثيرون هم الذين شردتهم الحكومات السودانية من قبل، فانفتحت عليهم أبواب الرزق، فأصبحوا يشيدون بمن شردهم وهداهم إلى سبل الثراء، لكنني لست منهم حتى الآن، فقد تحولت من موظف إلى موظف حتى خارج بلادي. وأنا لا ألعب اللوتري، فبذلك ينقفل أمامي باب كبير من أبواب الإثراء، وليست لي حرفة حرة كالميكانيكا أو النجارة، وحين ارتفعت أسعار البيوت هنا رفضت أن أشتري وأبيع، فكيف السبيل إلى الثراء؟
أعرف الرد مسبقًا، فأنا فعلًا بالغ الثراء، وعندي ألوف من الأحباب، كل واحد منهم يساوي وزنه ذهبًا. ومن كان له أمثالهم فهو الغني حقًا، ومن عداه فقير مدقع مكدي. وفي كل الأحوال لا أحد يذهب للقاء ربه بدفتر شيكات. فكله حطام دنيا لا يملكها من يملكها، أغنى أهليها سادتها الشعراء ومن اتبعهم بإحسان من الغاوين حاليًا. أجلس الآن على ساحل محيط الحب والإخاء، وأكيل لأخي صلاح الباشا بالكبير، وكله يعجز عن الوفاء بقدره العالي وجمال الإخاء الرفيع، وكله أقل من علياء شجاعة الباشا وخلوص النية عند الكتابة بغير غرض، إلا في المحبة. وشكري لأخي جمال.