حين كان للغناء والنشيد أسرارٌ وأفكارٌ ورحيقٌ

كتب: محرر ألوان

لو قُدر لي بعد هذا الافتراق الكبير في الزمان والمكان أن ألتقي في جلسة أُنسٍ مع ابن الجزيرة أبو عركي البخيت وابن الخرطوم يوسف الموصلي لطلبت من عركي أن يغني لنا على العود أغنية (التوب) لعوض جبريل
شفت التوب وما قابلني أجمل منو
بس التوب
شوفو التوب وسيد التوب
يكون كيفنو!
والتوب هنا بمعناه الرامز ليس (الكِرِب السادة) ولا (التوتال المُشجَّر) ولكنه تلك الغلالة التي كانت وما زالت تكسو مُحيا السمراوات وتُغطي عورة الدنيا.
وبالمناسبة سألت يوماً أخطر عازفي العود السودانيين بعد الموسيقار برعي محمد دفع الله الموسيقار بشير عباس في برنامج (أيام لها إيقاع) عن عازف العود الذي أدهشه بعزفه وتجويده، فتعجبت جداً حين قال لي: إن من أميز الفنانين والموسيقيين في عزف العود بتطريب نادر وتجويد هو الفنان أبوعركي البخيت.
أما الموسيقار والملحن والموزع والمطرب يوسف المُوصلي فله (الأماني السُندسية) ورائعة أغنيات البنات التي قام بتحريفها دون أن يقاضيه أحد حتى يوم الناس هذا
بلدنا نعلي شأنا ياناس سودانا نادانا
في الفجرية زارع بيزرع في المزارع
أريد زراع بلدنا ونور الشمس ساطع
سودانا نادانا
وسوف أترك له الخيار أن يمتعنا بسيرة الكابلي في شريط (أمطرت لؤلؤاً) مع البلابل وبت الحويرص
نَالَتْ عَلى يَدِها مَا لَمْ تَنَلْهُ يَدِي
نَقْشاً عَلَى مِعْصَمٍ أَوْهَتْ بِهِ جَلَدِي
كأَنَّهُ طُرْقُ نَمْلٍ في أَنامِلِها
أَوْ رَوْضَةٌ رَصَّعَتْها السُّحْبُ بِالْبَرَدِ
أما مسك الختام مع عركي رائعة كابلي التي أهداها له في جبل مرة رد الله غُربتها وغربة هذه البلاد الطويلة القامة الناضرة القدمين
مرسال الشوق يا الكلك ذوق
أغشى الحبان في كل مكان
قول ليهم شفنا جبل مرة
وعشنا لحظات حُب ومَسرة
بين غيمة تغازل كل زهرة
وخيال رمانة على المجرى
أما الوصية الأخيرة لعركي والموصلي فهي إياكم إياكم أن تُمارسوا الصمت حتى وإن كان نبيلاً، فنحن على موعد على ضفة النيل بالمسرح القومي مع أغنيات الحب الكبير.
هذه اللقطة النادرة لعركي وصديقه الموصلي عام 1989 في عاصمة كوريا الشمالية بيونغ يانغ تلك العاصمة التي استعصت على الإمبريالية العالمية وانفتحت على الفن السوداني والموسيقى و(أكروبات) الصديق وامتنعت عن (ميكروبات) الأجنبي.