القرار 1591.. السودان يفتح المرافعة أمام العدالة الدولية

القرار 1591.. السودان يفتح المرافعة أمام العدالة الدولية

تقرير: مجدي العجب

لم يعد القرار 1591 مجرد رقم في أرشيف مجلس الأمن، ولا ينبغي أن يبقى سيفًا مسلطًا على السودان وحده، ولن يحدث ذلك طالما أن الشعب السوداني زائدًا في تماسكه، ولكن بينما تُترك الأيدي التي تسهم في إطالة الحرب خارج دائرة المساءلة (أبوظبي). فحين تُفتح دفاتر الحرب السودانية بعيدًا عن الانتقائية السياسية، تظهر أمام المجتمع الدولي أسئلة أكثر إلحاحًا من مجرد تمديد العقوبات أو توسيعها: من أين جاءت الأسلحة؟ وكيف عبرت الحدود؟ ومن موّل شبكات الإمداد؟ ومن وفّر للمليشيا المتمردة المال والعتاد والخبرات والمقاتلين؟. هذه الأسئلة لم تعد رهينة الرواية السودانية وحدها. فقد وثقت تقارير أممية وحقوقية طرقًا لإمداد مليشيا الدعم السريع، وربطت أدلة متعددة بشبكات تنطلق من الإمارات أو تمر عبرها، وقد قالت هيومن رايتس ووتش إن لجنة خبراء الأمم المتحدة وجدت معلومات وشواهد على الدعم الإماراتي لمليشيات الدعم السريع «ذات مصداقية»، وإن عمليات نقل الأسلحة والذخائر إلى دارفور ساهمت، بل أحدثت انتهاكات ترتقي إلى مستوى جرائم الإبادة الجماعية. وقد كشفت التحقيقات عن دور شركات وأفراد مرتبطين بالإمارات في تجنيد ونقل مقاتلين أجانب إلى السودان، بينهم متعاقدون عسكريون كولومبيون، بينما أدرجت لجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن في أبريل 2026 عددًا من المتورطين في شبكات تجنيد وتمويل المقاتلين الأجانب ضمن قائمة العقوبات.

 

 

ومن هنا تكتسب معركة السودان الدبلوماسية حول القرار 1591 معناها الحقيقي: ليست المعركة من أجل إسقاط العقوبات أو الإبقاء عليها لمجرد الموقف السياسي، وإنما من أجل إعادة تعريف المسؤولية نفسها؛ فلا يستقيم أن تُحاصر الدولة السودانية بالعقوبات، بينما تُترك القنوات التي تمد مليشيا مسلحة بالسلاح والمال والمقاتلين بمنأى عن الحساب. فإذا كان القرار قد وُضع لحماية السلام والأمن في دارفور، فإن المنطق ذاته يقتضي أن يُطبَّق على كل من يهدد السلام والأمن، أياً كان اسمه أو موقعه أو ثقله الإقليمي. ولا يمكن أن تكون سيادة السودان هي الحلقة الأضعف في سلسلة الحسابات الدولية، ولا أن تتحول العقوبات إلى أداة ضغط على الدولة، بينما يُنظر إلى مصادر تمويل الحرب وتسليح المليشيا باعتبارها ملفًا دبلوماسيًا قابلًا للتأجيل.
إن السودان لا يطلب استثناءً من القانون الدولي، بل يطلب تطبيقه بلا ازدواجية؛ ولا يطالب بحماية سياسية، بل بمساءلة كل الأطراف التي ساهمت في إشعال الحرب وإطالتها. وعندما تتراكم الأدلة حول خطوط السلاح والتمويل والتجنيد، يصبح السؤال الذي ينبغي أن يُطرح داخل مجلس الأمن أكثر وضوحًا: هل يُراد للقرار 1591 أن يكون أداة لتحقيق السلام في السودان، أم أن يبقى عنوانًا لعقوبات انتقائية لا تصل إلى من يغذي الحرب من خارج الحدود؟

إجرام أبوظبي

وقال محللون سياسيون استطلعتهم «ألوان» إن مناقشة القرار 1591 ينبغي ألا تُفصل عن حقيقة التدخلات الخارجية التي أسهمت في إطالة الحرب السودانية، معتبرين أن الأدلة المتراكمة بشأن الدعم المقدم لمليشيا الدعم السريع تضع الإمارات أمام أسئلة لا يمكن تجاوزها بالمواقف الدبلوماسية أو البيانات السياسية. وأشار المحللون إلى أن تقارير أممية وثقت معلومات وصفتها بالمصداقية حول نقل أسلحة وذخائر عبر الأراضي التشادية إلى مناطق سيطرة المليشيا، فيما تحدثت تقارير أممية وحقوقية لاحقة عن شبكات عابرة للحدود شملت أفرادًا وكيانات مرتبطة بالإمارات. وأضاف المحللون أن استمرار التعامل مع القرار 1591 باعتباره أداة للضغط على السودان، دون مساءلة الجهات التي يُتهم بأنها تغذي الحرب بالسلاح والتمويل واللوجستيات، يمثل اختلالًا في جوهر العدالة الدولية، مؤكدين أن المطلوب هو تطبيق العقوبات على كل من يثبت تورطه في تهديد أمن السودان وزعزعة استقراره، دون حصانات سياسية أو حسابات إقليمية.

محاكمة الإمارات

ويرى الأكاديمي والمحلل السياسي محمد تورشين أن معركة القرار 1591 تجاوزت حدود النصوص والعقوبات، لتلامس سؤالًا أكثر وضوحًا: كيف تُحاسَب الدولة السودانية على أزمة تتدفق إليها أدواتها من الخارج؟ وقال في حديثه لـ«ألوان» إن الدور الإماراتي في إسناد مليشيا الدعم السريع يجعل أبوظبي طرفًا ينبغي أن يخضع للتحقيق والمساءلة، لا أن تُمنح موقع الواعظ في قضية الأمن السوداني. وأضاف أن الحديث عن حماية المدنيين يفقد معناه حين تتزامن هذه الشعارات مع المعلومات المؤكدة عن توفير قنوات للسلاح والتمويل والإمداد. وأكد تورشين أن أي معالجة دولية جادة للأزمة تبدأ من تجفيف منابع الحرب، ومساءلة من يمد المليشيا بأسباب الاستمرار، وإلا تحوّل القرار 1591 من أداة للسلام إلى ورقة ضغط تُستخدم بمعايير مزدوجة.

أبوظبي أمام العدالة الدولية

لذا فإن معركة السودان حول القرار 1591 ليست معركة نصوصٍ جامدة، بل معركة عدالةٍ ومساواة في تطبيق القانون الدولي؛ فاستقرار السودان لن يتحقق بتشديد القيود على الدولة، بينما تُترك أبواب الدعم الإماراتي مفتوحة أمام المليشيا. وإذا كانت العقوبات قد وُضعت لحماية السلام، فإن أول شروط فعاليتها هو أن تصل إلى كل من يساهم في إطالة أمد الحرب، أياً كان موقعه أو نفوذه.