
السودان في مجلس الأمن .. التصدى لمحاولات توسيع حظر السلاح
السودان في مجلس الأمن .. التصدى لمحاولات توسيع حظر السلاح
تقرير: ألوان
رحّب السودان بقرار مجلس الأمن الدولي تمديد التدابير المفروضة بموجب القرار 1591 لمدة شهرين، دون تغيير نطاقها الجغرافي أو مضمونها، مجدداً رفضه توسيع حظر السلاح ليشمل كامل أراضي البلاد، ومطالباً بتوجيه الجهود الدولية نحو وقف تدفق الأسلحة والذخائر والطائرات المسيّرة والمرتزقة إلى دارفور، ومحاسبة الجهات التي تنتهك القرارات الأممية. واعتبرت بعثة السودان الدائمة لدى الأمم المتحدة أن الأزمة لا تكمن في محدودية النطاق الجغرافي للعقوبات، وإنما في ضعف تنفيذها وغياب المساءلة، محذرة من أن توسيع الحظر قد يقيد قدرة الدولة على الدفاع عن سيادتها وسلامة أراضيها، دون أن يضمن وقف الإمدادات العسكرية للجماعات المسلحة. وأكدت بعثة السودان، في بيان صحفي صدر بنيويورك في 8 أكتوبر الجاري، ترحيبها باعتماد مجلس الأمن التمديد التقني للتدابير المفروضة بموجب القرار 1591 للمرة الثانية، والإبقاء عليها في نطاقها الجغرافي ومضمونها لمدة ستين يوماً، حتى 11 ديسمبر 2026.
وشددت البعثة على أن التمديد التقني يمثل المسار الأنسب في المرحلة الراهنة، وأن الأولوية ينبغي أن تنصب على تفعيل نظام العقوبات القائم وضمان احترامه وتنفيذه، بدلاً من توسيع نطاقه، مؤكدة استعداد السودان للانخراط بصورة بناءة مع أعضاء المجلس في أي نقاش موضوعي يستهدف تعزيز فعالية النظام وتحقيق الأهداف التي أُنشئ من أجلها. ورفضت البعثة ما وصفته بالتسييس والانتقائية في التعامل مع الملف السوداني، محذرة من المساواة بين الدولة ومؤسساتها الشرعية من جهة، والمليشيات والجماعات المسلحة والمرتزقة من جهة أخرى.
اتهامات بتدفق السلاح إلى دارفور
ووضعت البعثة استمرار تدفق الأسلحة إلى دارفور في صلب اعتراضها على مقترحات توسيع الحظر، مشيرة إلى أن السودان وفريق الخبراء المنشأ بموجب القرار 1591 وتقارير دولية موثوقة قدموا معلومات وأدلة بشأن وصول الأسلحة والذخائر والطائرات المسيّرة والمرتزقة إلى مليشيا الدعم السريع عبر دول الجوار الأفريقي ومسارات عابرة للصحراء. واتهم البيان دولة الإمارات العربية المتحدة بالانتهاك المتكرر والمتعمد لحظر السلاح المفروض على دارفور، وتزويد قوات الدعم السريع بالأسلحة والطائرات المسيّرة والمرتزقة، مطالباً بمساءلة الجهات التي تقف وراء عمليات الإمداد العسكري وتمويلها وتسهيلها.
واعتبرت البعثة أن استمرار هذه التدفقات، وما يرتبط بها من انتهاكات بحق المدنيين، يثير تساؤلات بشأن قدرة مجلس الأمن على ضمان تنفيذ قراراته، مشيرة إلى أن توسيع الحظر لن يعالج الخلل ما لم تُتخذ إجراءات فعالة لوقف مصادر الإمداد غير المشروع ومحاسبة المسؤولين عنها.
كما أعرب السودان عن قلقه إزاء ما وصفه بمحاولات ممارسة الترهيب على أعضاء فريق الخبراء والتأثير على عملهم، وما قال إنه ترتب على ذلك من تعطيل في التعامل مع التقرير النهائي للفريق، داعياً مجلس الأمن إلى حماية استقلال الخبراء ونزاهتهم وحيادهم، وضمان عدم تعرضهم للضغوط بسبب النتائج التي يتوصلون إليها.
ثلاثة أسباب لرفض توسيع الحظر
وحدد السودان ثلاثة اعتبارات رئيسية يستند إليها في رفض توسيع حظر السلاح ليشمل كامل أراضي البلاد.
يتمثل الاعتبار الأول في أن التوسيع سيطمس، بحسب البعثة، الفارق القانوني والمؤسسي بين القوات المسلحة السودانية بوصفها مؤسسة وطنية تابعة للدولة، وبين المليشيات والجماعات المسلحة والمرتزقة، مؤكدة أن للجيش حق الحصول على احتياجاته العسكرية والدفاعية المشروعة بما يمكنه من حماية سيادة البلاد ووحدة أراضيها وشعبها.
أما الاعتبار الثاني، فيتعلق بالتداعيات العملية لتوسيع الحظر، إذ ترى البعثة أن القيود الجديدة قد تؤثر بصورة أكبر في الدول والجهات التي تلتزم بقرارات مجلس الأمن، بينما تواصل شبكات التهريب والإمداد غير المشروع تجاوز القيود القائمة. وحذرت من أن النتيجة قد تكون إضعاف قدرات الدولة على حماية أراضيها، دون ضمان وقف وصول الأسلحة إلى الجماعات المسلحة.
ويتمثل الاعتبار الثالث في أن جوهر المشكلة، وفق البيان، هو ضعف تنفيذ نظام العقوبات القائم، وليس محدودية نطاقه الجغرافي، الأمر الذي يستدعي التركيز على وقف تدفقات السلاح والتحقيق في مصادرها ومساراتها ومحاسبة الجهات التي تمولها أو تسهّل وصولها إلى دارفور.
وأكدت البعثة أن السودان سيواصل معارضة أي محاولة لتوسيع الحظر دون الاستناد إلى تقييم موضوعي لاحتياجات الأمن والاستقرار، معتبرة أن فرض قيود إضافية على الدولة المتضررة من تدفق السلاح لا يمثل معالجة فعالة للانتهاكات.
تداعيات عسكرية واقتصادية واسعة
وحذرت البعثة من أن توسيع حظر السلاح قد يترتب عليه تقييد واسع لقدرات الدولة العسكرية والدفاعية، بما يتجاوز منع استيراد الأسلحة التقليدية إلى التأثير في المعدات العسكرية وقطع الغيار والصيانة والتدريب والمساعدات الفنية والمالية المرتبطة بالأنشطة العسكرية.
وأوضحت أن القيود المحتملة قد تشمل المعدات والسلع ذات الاستخدام المزدوج، وهي المنتجات التي يمكن استخدامها لأغراض مدنية وعسكرية في آن واحد، فضلاً عن تقنيات الاتصالات والحوسبة والتشفير وبعض المركبات والطائرات والمعدات التي يمكن تكييفها للاستخدامات العسكرية.
وأشارت إلى أن تطبيق مثل هذه القيود قد يؤثر في قدرات التصنيع الدفاعي الوطني، بما في ذلك أنشطة هيئة الصناعات الدفاعية، وفي الحصول على المعدات اللازمة لصيانة الأنظمة العسكرية وتشغيلها، إلى جانب ما قد يفرضه الحظر من اشتراطات تتعلق بالتراخيص المسبقة للصادرات العسكرية والسلع المرتبطة بها.
وفي هذا السياق، تساءلت البعثة عن الأساس الذي يمكن أن يستند إليه مجلس الأمن في توسيع الحظر، داعية إلى إجراء تقييم محايد يحدد ما إذا كانت أسلحة القوات المسلحة السودانية تشكل تهديداً للسلم والأمن الدوليين، ومشددة على ضرورة ممارسة المجلس مسؤولياته وفقاً لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة وأغراضه، بما في ذلك حق الدول في الدفاع عن نفسها.
اختبار جديد أمام مجلس الأمن
ودعا السودان إلى استثمار فترة التمديد في معالجة القضايا الجوهرية المتعلقة بفاعلية نظام العقوبات، بدلاً من إعادة طرح المقترحات الخلافية بشأن توسيع نطاق الحظر.
وحددت البعثة أولويات المرحلة المقبلة في وقف تدفق الأسلحة غير المشروعة إلى دارفور، ومنع استخدام أراضي دول ثالثة لنقل الأسلحة والطائرات المسيّرة والمرتزقة، وحماية استقلال فريق الخبراء، وضمان تحمل الجهات التي تنتهك قرارات مجلس الأمن مسؤولية أفعالها.
وشددت على أن نجاح نظام العقوبات لا يُقاس باتساع نطاقه الجغرافي، وإنما بقدرته على تحقيق الغرض الذي أُنشئ من أجله، مؤكدة أن فرض قيود إضافية دون ضمان تنفيذ التدابير القائمة لن يحقق النتائج المرجوة في حماية المدنيين وتعزيز الأمن والاستقرار.
وجددت البعثة، في ختام بيانها، استعداد السودان للتعاون البناء مع مجلس الأمن ولجنة العقوبات وفريق الخبراء لتعزيز فعالية النظام القائم، مع التمسك بسيادة البلاد ووحدتها وسلامة أراضيها، ورفض أي تدابير من شأنها إضعاف مؤسسات الدولة، وعلى رأسها القوات المسلحة السودانية، أو منح الجماعات المسلحة امتيازات على حساب الدولة ومؤسساتها الشرعية.
ويفتح التمديد الجديد الباب أمام جولة أخرى من المشاورات الدبلوماسية قبل حلول 11 ديسمبر المقبل، في وقت يتمسك فيه السودان بحصر المعالجة في تفعيل التدابير القائمة ومحاسبة منتهكيها، بينما يبقى مستقبل نطاق العقوبات موضع تجاذب داخل مجلس الأمن.
