«تأسيس».. تحالف هش على حافة التفكك

«تأسيس».. تحالف هش على حافة التفكك

تقرير: مجدي العجب

لم تعد التصدعات التي تضرب تحالف «تأسيس» مجرد خلافات عابرة يمكن احتواؤها باجتماعات التهدئة وبيانات التماسك السياسي؛ فالمؤشرات المتلاحقة توحي بأن الأزمة أخذت تتجاوز حدود التباين في المواقف إلى أزمة ثقة عميقة بين مكونات التحالف، تتقاطع فيها الحسابات السياسية مع رهانات القوة والسلاح، وتتصادم فيها طموحات القيادات مع حقيقة الولاءات الميدانية وحدود قدرتها على فرض إرادتها على الآخرين. وبين انسلاخات متكررة، ومواقف رافضة للانخراط في القتال، وخلافات تتسع داخل المعسكر الواحد، تبدو صورة «تأسيس» أبعد ما تكون عن ذلك الكيان المتماسك الذي حاول أنصاره تقديمه بوصفه إطاراً قادراً على جمع القوى المتباينة تحت مظلة سياسية وعسكرية واحدة. وتكشف التطورات المنسوبة إلى دوائر التحالف عن أزمة أكثر تعقيداً، مع الحديث عن قرار الحلو الانسحاب من «تأسيس»، وما تردد بشأن تعرضه لتهديدات بالتصفية إذا أقدم على تلك الخطوة؛ وهي واقعة، إن صحت، تطرح أسئلة خطيرة عن طبيعة العلاقات داخل التحالف، وحدود استقلالية مكوناته، وما إذا كانت الشراكة المعلنة تقوم على توافق سياسي حقيقي أم على موازين ضغط تحكمها القوة ومخاوف الخروج عن الإجماع المفروض. وحين يصبح الانسحاب، بدلاً من أن يكون خياراً سياسياً مشروعاً، مدخلاً للتهديد والتصفية، فإن الأزمة لا تعود خلافاً على المواقع أو الأدوار، بل تتحول إلى اختبار جوهري لطبيعة المشروع نفسه.

 

 

 

 

وفي السياق ذاته، تضع الأنباء عن طرد وفد من المليشيا من كاودا، خلال تحرك قيل إنه استهدف رأب الصدع بين الحركة الشعبية و«الإطورو»، علامات استفهام إضافية حول قدرة التحالف على معالجة خلافاته الداخلية، وحول حدود نفوذ مكوناته في مناطق تتشابك فيها الحسابات السياسية والعسكرية والاجتماعية. فبدلاً من أن تعكس مثل هذه التحركات وحدة الموقف وتكامل الأدوار، فإن تعثرها، متى تأكدت تفاصيله، قد يكشف عن فجوة بين الخطاب السياسي المعلن والواقع المعقد للعلاقات بين القوى التي اجتمعت تحت لافتة «تأسيس» الجنجويدية.
وتزداد الصورة تعقيداً مع ما يتردد عن عدم رضا حميدتي وعبد الرحيم دقلو وعدد من قيادات المليشيا عن مكونات التحالف، بالتزامن مع رفض قوات مرتبطة بالحركات المسلحة الانخراط في القتال، ومن بينها القوات المنسوبة إلى قيادتي حجر والهادي إدريس. وهي مؤشرات لا يمكن فصلها عن السؤال الأكبر بشأن مستقبل التحالف: هل يستطيع الاستمرار في ظل تضارب الأهداف واختلاف الأولويات وتراجع الاستعداد لتحمل كلفة الحرب، أم أن التناقضات التي جرى تأجيلها عند التأسيس بدأت تفرض نفسها على الواقع، مهددةً بتفكيك البنية التي قام عليها؟.
إن هشاشة التحالف الذي جمع مليشيا الجنجويد والحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو لا تكمن في خلافات عابرة حول إدارة النفوذ أو توزيع الأدوار، بل في التناقضات العميقة التي تحكم العلاقة بين مكوناته، واختلاف حساباتها السياسية والعسكرية، وتباين الغايات التي دفعت كل طرف إلى الاقتراب من الآخر. فالتقاء المصالح الآني لا يصنع بالضرورة تحالفاً متماسكاً، كما أن الاتفاق على مواجهة خصم مشترك لا يكفي لبناء مشروع سياسي قادر على الصمود أمام الاختبارات الحقيقية. ومع تصاعد الأنباء عن رغبة الحلو في الانسحاب، وما أثير بشأن تعرضه لتهديدات لمنعه من ذلك، تبرز أسئلة جوهرية حول طبيعة الشراكة وحدود الثقة بين أطرافها. وتزداد هذه الهشاشة وضوحاً في ظل التباينات داخل مكونات «تأسيس»، وتراجع الاستعداد للقتال لدى بعض القوات، وتكرار الانسلاخات. وهكذا يجد التحالف نفسه أمام معادلة صعبة: إما احتواء تناقضاته، وإما مواجهة استحقاق التفكك تحت ضغط صراعات الداخل وتضارب المصالح، وهي النهاية التي بدأت ملامحها تظهر منذ فترة.
ويرى الصحافي والمحلل السياسي عاصم البلال الطيب أن مستقبل تحالف «تأسيس»، الذراع السياسي لمليشيا الجنجويد، يرتبط بقدرته على تجاوز التباينات السياسية والعسكرية بين مكوناته، في ظل الأنباء المتداولة عن خلافات بين مليشيا الدعم السريع والحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو. وأضاف في حديث لـ«ألوان» أن هذه التطورات تثير تساؤلات بشأن مدى قدرة التحالف على الحفاظ على تماسكه، خصوصاً مع تباين أولويات أطرافه واختلاف حساباتها بشأن مسار الحرب التي شنتها مليشيا الجنجويد لابتلاع الدولة السودانية.
وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع تقارير عن محاولات للانسحاب من التحالف، وخلافات بين مكوناته، إلى جانب مواقف متباينة بشأن المشاركة في العمليات العسكرية، وهي عوامل قد تزيد الضغوط على بنيته السياسية والعسكرية. ويظل تحالف «تأسيس» غير المتماسك تحالفاً قام من أجل مصلحة آنية، ومن المرجح أن تعصف به الهزائم الأخيرة قريباً.