
علي المك .. غاب الحكّاء وبقيت الحكايات
في ذكرى أديب عاش بين الكتب والناس
علي المك .. غاب الحكّاء وبقيت الحكايات
بقلم: كمال عوض
في الذكرى الرابعة والثلاثين لرحيله، نكتب اليوم عن بروفيسور وأديب جعل من الحكايات أدباً، ومن الصداقة جسراً إلى قلوب الناس. ومن مقاهي أم درمان وأسواقها إلى محراب الأدب وأروقة الجامعة، ظل علي المك يمشي بخفة الحكّاء، حاملاً في ذاكرته حكايات الناس، وفي جعبته قفشات تختصر المواقف وتفجر الضحك. جمع الرجل بين ثقافة موسوعية وروح مرحة، وبين مكانة الأستاذ الجامعي وعفوية ابن الحي، فصادق الشعراء والفنانين وأصحاب الحرف، ووجد في تفاصيل الحياة اليومية مادة تستحق أن تُروى. أحب أم درمان حتى تسربت شوارعها وأحياؤها ووجوه أهلها إلى كتاباته، وترك وراءه سيرة تتجاوز حدود الأدب إلى حكاية إنسان عرف كيف يجعل المعرفة قريبة من الناس، وكيف يمنح اللحظات العابرة حياة أطول من أصحابها.
وُلد علي محمد علي المك في أم درمان في 12 فبراير 1937، ونشأ في بيت يقدّر المعرفة والقراءة. وكان لعمل والده في القضاء الشرعي أثر في تنقله بين مناطق سودانية مختلفة، من أرقو إلى الفاشر ومروي، قبل أن تستقر الأسرة في أم درمان، المدينة التي احتلت مكانة خاصة في وجدانه.
بدأ شغفه بالقراءة مبكراً، واستفاد من مكتبة والده، كما أسهمت الحكايات الشعبية وما سمعه من قصص الناس في تشكيل مخيلته الأدبية.
درس بمدرسة وادي سيدنا الثانوية، ثم التحق بجامعة الخرطوم وتخرج في كلية الآداب بمرتبة الشرف عام 1961. ونال درجة الماجستير في الإدارة العامة من جامعة كاليفورنيا الجنوبية عام 1966، قبل أن يعود إلى السودان ويعمل في عدد من المؤسسات، من بينها مؤسسة الدولة للسينما ومعهد الإدارة العامة ودار جامعة الخرطوم للنشر. كما عمل أستاذاً في مجال الترجمة والتعريب بكلية الآداب.
جمع علي المك بين العمل الأكاديمي والإبداع الأدبي، فكتب القصة القصيرة واشتغل بالترجمة والدراسات الأدبية. ومن أعماله «في قرية»، و«القمر جلس في فناء داره»، و«الصعود إلى أسفل المدينة»، إلى جانب أعمال أخرى أسهمت في ترسيخ مكانته في المشهد الثقافي السوداني.
وتظل أم درمان واحدة من أبرز ملامح تجربته الإبداعية؛ فقد استعاد في كتاباته أحياءها وأسواقها وناسها، وقدم تفاصيلها اليومية في صورة أدبية تنبض بالحياة. وفي كتابه «مدينة من تراب»، تتجلى علاقته بالمكان الذي شكّل جانباً أساسياً من ذاكرته ووجدانه.
قفشات تختصر روح الرجل
ارتبط اسم علي المك بخفة الظل وسرعة البديهة، وأصبحت قفشاته جزءاً من الحكايات التي يتداولها أصدقاؤه ومحبو أدبه. كان يلتقط المفارقات بذكاء، ويصوغ تعليقاته بعبارات موجزة تصيب المعنى وتثير الضحك، حتى في أكثر المجالس جدية.
امتزجت الفكاهة لديه بثقافته الواسعة ومعرفته بطبائع الناس؛ لذلك جاءت تعليقاته عفوية وقريبة من روح المجتمع السوداني، بعيدة عن التكلف والاستعراض. وكان قادراً على تحويل المواقف اليومية إلى حكايات تعلق بالذاكرة، مستفيداً من حسه اللغوي وسرعة التقاطه لما وراء الكلمات.
وتناقلت المجالس الثقافية والاجتماعية طرائفه المرتبطة بأصدقائه من الأدباء والفنانين، وبالمواقف التي عاشها في أم درمان. وبقيت هذه القفشات وجهاً محبباً من شخصيته، تستعيده الذاكرة من خلالها رجلاً جمع بين عمق المعرفة وخفة الروح، وبين جدية المثقف وعفوية الإنسان.
أصدقاء من الحياة
كانت صداقات علي المك امتداداً طبيعياً لاهتماماته الثقافية والاجتماعية. وجمعته بالشاعر صلاح أحمد إبراهيم علاقة وثيقة بدأت في أم درمان واستمرت خلال الدراسة بجامعة الخرطوم، ووحدت بينهما اهتمامات أدبية وفكرية أثمرت أعمالاً مشتركة، من بينها كتاب «البرجوازية الصغيرة» الصادر عام 1958.
وفي الوسط الفني، ارتبط بعلاقات صداقة مع الفنان عبد العزيز محمد داود، والفنان محمد وردي، والموسيقار برعي محمد دفع الله، وغيرهم من رموز الغناء السوداني. وقد كتب عن أبي داود مستعيداً جوانب من حياته وفنه وعلاقاته الإنسانية، في شهادة تكشف عن تقديره للفنان والصديق معاً.
لكن عالم علي المك الاجتماعي لم يتوقف عند الشعراء والفنانين؛ فقد كانت أسواق أم درمان ومجالسها جزءاً من حياته اليومية. جالس أصحاب المهن البسيطة، واستمع إلى حكاياتهم، وتبادل معهم الأحاديث والطرائف، فتعرف إلى تفاصيل الحياة من مصادرها المباشرة.
من هذه العلاقات استمد كثيراً من معرفته بالمجتمع السوداني وطباع أهله، ووجد في مفرداتهم ومواقفهم مادة أدبية غنية. وقد انعكس ذلك في كتاباته التي اقتربت من الناس، واحتفت بتفاصيل حياتهم بعيداً عن التعقيد والتكلف.
هكذا جمع علي المك بين عالم الكتب وعالم الشارع، وبين مجالس المثقفين وأحاديث الأسواق، محتفظاً بفضوله الإنساني وقدرته على الإصغاء. وكانت أم درمان، بوجوهها المتنوعة وذاكرتها الشعبية، الخيط الذي يصل بين هذه العوالم جميعاً.
الرحيل.. حين غاب الحكّاء
في 11 أكتوبر 1992، توفي علي المك في الولايات المتحدة الأمريكية، خلال وجوده هناك في إطار نشاطه الأكاديمي أستاذاً زائراً. وبعد رحيله، وُوري الثرى في مقابر البكري بأم درمان، المدينة التي أحبها وارتبط بها وجدانياً، وظلت حاضرة في كتاباته حتى نهاية حياته.
برحيله، فقد السودان أديباً وقاصاً ومترجماً وأكاديمياً أسهم في إثراء الحياة الثقافية، وترك أعمالاً تستحق القراءة والدراسة. وغاب عن مجالس أصدقائه صاحب القفشة الحاضرة والحكاية الممتعة، لكن صورته بقيت حية في ذكريات الذين عرفوه، وفي النصوص التي حفظت جانباً من حياة السودانيين وملامح مدينته المحبوبة.
وفي ذكرى رحيله، تتجدد الدعوة إلى قراءة أعماله وتوثيق شهادات أصدقائه وجمع حكاياته المتناثرة، حتى تظل سيرته حاضرة في الذاكرة الثقافية للأجيال الجديدة. سلام على علي المك، الذي أحب أم درمان حتى صارت بعض روحه في ترابها، وبعض ترابها في كلماته. غاب الحكّاء، وبقيت ضحكة أم درمان في الذاكرة.
