حادثة المعدّنين السودانيين .. الخرطوم تشكّل لجنة لتقصي الحقائق

حادثة المعدّنين السودانيين .. الخرطوم تشكّل لجنة لتقصي الحقائق

تقرير: الهضيبي يس

أثارت حادثة شمال الوادي، التي أوقعت قتلى وجرحى وسط المعدّنين السودانيين في المنطقة الحدودية بين السودان ومصر، موجة واسعة من التفاعل في مواقع التواصل الاجتماعي، وأعادت ملف الحدود المشتركة إلى الواجهة، وسط مطالب بكشف ملابسات الحادثة وتحديد المسؤوليات، في وقت اتخذ فيه مجلس السيادة الانتقالي خطوات رسمية للتحقيق في الواقعة، بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق. وقال مجلس السيادة الانتقالي، في بيان، إنه يترحّم على أرواح المواطنين السودانيين الذين قضوا في الحادث الأليم الذي تعرّض له عدد من المعدّنين السودانيين بالمنطقة الحدودية بين جمهورية السودان وجمهورية مصر العربية. وأعرب عن خالص تعازيه وصادق مواساته لأسر الضحايا وذويهم، سائلاً الله تعالى أن يتغمّدهم بواسع رحمته ومغفرته، وأن يلهم أهلهم الصبر والسلوان وحسن العزاء. وأصدر رئيس مجلس السيادة الانتقالي قراراً بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق، تضم ممثلين عن النيابة العامة والجهات العدلية والأمنية ذات الصلة، للتحقيق في ملابسات الحادثة والوقوف على جميع الظروف والوقائع المرتبطة بها، على أن ترفع اللجنة تقريراً بنتائج التحقيق.

 

 

 

وأكد مجلس السيادة الانتقالي أن حماية أرواح المواطنين السودانيين وصون سلامتهم وكرامتهم مسؤولية أصيلة للدولة، مشدداً على ضرورة التعامل مع الحادثة بجدية، بما يضمن كشف الحقائق واحترام الحدود.
وظلت قيادتا البلدين الشقيقين على تواصل منذ وقوع الحادثة، في مسعى لاحتواء تداعياتها وحماية أرواح المواطنين والحفاظ على العلاقات بين الشعبين، إلى جانب العمل على كشف ملابسات الواقعة وتمليك الحقائق للرأي العام.
وفي السياق، اعتبر مستشار رئيس مجلس السيادة الانتقالي، أمجد فريد، أن الاعتداء على المعدّنين السودانيين وقصفهم جريمة لا يمكن تبريرها أو القبول بها، مشيراً إلى وجود العديد من الوسائل والمسارات القانونية لمعالجة التجاوزات الحدودية، دون اللجوء إلى القصف الجوي ضد المواطنين، لا سيما في ظل وجود قنوات اتصال مفتوحة بين البلدين.
وشهدت مواقع التواصل الاجتماعي في السودان، منذ يوم السبت الماضي، تفاعلاً واسعاً مع حادثة القتلى والجرحى في منجم شمال الوادي بولاية البحر الأحمر، وسط تداول تقديرات تشير إلى سقوط نحو 72 شخصاً بين قتيل وجريح، وفقاً لما نُسب إلى عدد من المنظمات والمؤسسات الحقوقية العاملة في المجال الإنساني.
ولا تُعد هذه الحادثة الأولى من نوعها، إذ شهدت المنطقة قبل نحو ثلاثة أشهر أحداثاً مشابهة في منطقة النابع بمحلية أوسيف بولاية البحر الأحمر، خلّفت، بحسب ما ورد في المعلومات المتداولة، نحو 200 قتيل وجريح تتراوح أعمارهم بين 20 و40 عاماً.
وجاءت حادثة شمال الوادي بعد فترة وجيزة من أحداث النابع، لتضاعف من حجم الألم والمخاوف وسط السودانيين، وتثير تساؤلات بشأن سلامة المعدّنين العاملين في المناطق النائية والحدودية، ومدى فاعلية التدابير المتخذة لحمايتهم من المخاطر الأمنية.
وتشهد ولايتا نهر النيل والبحر الأحمر نشاطاً واسعاً في مجال التنقيب عن الذهب، الذي يمثل أحد أهم الموارد الاقتصادية في البلاد. ويعتمد عدد من المعدّنين على وسائل التنقيب التقليدية، في ظل مخاطر تتصل بطبيعة البيئة الصحراوية والكثبان الرملية والصخور المحيطة بمواقع التعدين، فضلاً عن احتمالات انهيار المناجم، الأمر الذي يجعل توفير وسائل السلامة والحماية ضرورة ملحّة.
ودعا ناشطون ومدوّنون وصحفيون وسياسيون الحكومة السودانية إلى إصدار توضيحات رسمية بشأن ملابسات الحادثة، باعتبار أن القضية ترتبط بسيادة الدولة وحماية مواطنيها، فضلاً عن تداعياتها المحتملة على العلاقات الثنائية بين الخرطوم والقاهرة.
وشدد الكاتب الصحفي والمحلل السياسي إبراهيم الصديق، في تعليقه على حادثة ضحايا منجم شمال الوادي بولاية البحر الأحمر، على أهمية البحث عن معالجة جذرية تحول دون تكرار مثل هذه الحوادث، من خلال إدارة نقاش مستفيض بين الحكومتين السودانية والمصرية بشأن قضايا الحدود، وتفعيل ما يُعرف باتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين، بما يعزز التعاون الأمني إلى أقصى حد في مواجهة المهددات والمخاطر المشتركة.
وأضاف الصديق أن ملف التعدين ينبغي أن يكون ضمن أولويات النقاش في أي مباحثات دبلوماسية أو عسكرية تجمع المسؤولين في الحكومتين، مقترحاً تكوين قوة مشتركة للانتشار على الحدود بين البلدين، ولا سيما في منطقة المثلث الحدودي التي تشهد توترات ومخاوف أمنية.
وأشار إلى أن مصر تتخوف من تسلل عناصر الجماعات الإرهابية وشبكات الاتجار بالبشر والسلاح إلى عمق أراضيها، في ظل الاضطرابات الأمنية التي تشهدها ليبيا على حدودها الغربية، داعياً في المقابل إلى اتخاذ الحكومة السودانية تدابير احترازية لحماية المدنيين العاملين في مجال التنقيب عن الذهب، حتى إن اقتضى الأمر ضبط أدوات التنقيب وإغلاق المناجم غير الآمنة وتحديد مواقع بديلة للعمل، حفاظاً على أرواح المعدّنين.
وزاد الصديق أن معالجة مثل هذه القضايا لا تتحقق بمجرد إصدار البيانات الحكومية أو إعلان المواقف الرسمية، وإنما تتطلب تفعيل عمل اللجان المشتركة بين البلدين على مستوى وزارات الخارجية والداخلية والدفاع وغيرها، لتفادي التوترات واحتواء أي تداعيات سلبية قد تسعى بعض الأطراف إلى استغلالها للإساءة إلى العلاقات السودانية المصرية.
وأكد أن ما يجمع بين البلدين من روابط وعلاقات تاريخية يجعل الحفاظ على هذه العلاقة أمراً بالغ الأهمية، بالنظر إلى أبعادها وتأثيراتها الداخلية والخارجية، لا سيما في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها السودان منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023م.