
الكاميرا الجارحة .. حكاية للإنسان والسودان والبرهان
*الكاميرا الجارحة*
*حكاية للإنسان والسودان والبرهان*
إن قراءة التاريخ والأحداث والمواقف وأخبار الرجال ليست للمتعة العابرة ولا للدراسة الأكاديمية الباردة، ولا في التأمل العارض دون تدبر أو دراية، إنما هي في استخلاص المعاني واستدعاء الأصالة لتتحالف مع المعاصرة. إنها دعوة لإعادة قراءة وكتابة التاريخ وتمثله وغرسه حاراً في قلوب النساء والرجال، والأدلة على ذلك كثيرة.
فالبارحة استوقفتني هذه الحكاية عن الخليفة المأمون والقاضي يحيى بن أكثم فأردت أن أهديها لكم وللرئيس الفريق عبد الفتاح البرهان برهاناً على أن هذه الأمة إذا استمسكت بالعروة الوثقى فلن تضل أبداً خاصة إذا رفعت شعار أمير المؤمنين الفاروق رضي عنه: (نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله).
يُروى أن الخليفة العباسي المأمون كان جالسًا ذات يوم في مجلس المظالم، يستمع إلى شكاوى الناس، وينظر في قضاياهم، وقد أحاط به القضاة والوزراء وكبار رجال الدولة، بينما وقف الحراس على أبواب المجلس في هيبةٍ ووقار.
وبينما كان المجلس يسير على عادته، تقدمت امرأة فقيرة، بدا على وجهها أثر التعب، وكأنها قطعت مسافات طويلة لتصل إلى الخليفة وتعرض عليه شكواها. وقفت أمامه بثبات، ثم قالت بصوتٍ يختلط فيه الحزن بالشكوى: (يا أمير المؤمنين، لقد مات أخي وترك وراءه ستمائة دينار، ولم يصلني من ميراثه إلا دينار واحد! وقد قيل لي إن هذا هو نصيبي الذي أقرّه الشرع، فجئت إليك ألتمس الإنصاف، وأرجو أن تنظر في أمري).
ما إن سمع المأمون كلامها حتى انعقد حاجباه دهشةً واستغرابًا، والتفت إلى قاضي القضاة، يحيى بن أكثم، وقال مستنكرًا: (أيعقل أن تترك امرأة من ميراث أخيها ستمائة دينار، فلا تنال منها إلا دينارًا واحدًا؟ أهذه قسمة عادلة؟ وكيف يُحرم المرء من حقه في مجلسٍ أُقيم لإحقاق الحقوق)؟
لم يضطرب القاضي، ولم يتعجل الرد، بل نظر إلى المرأة، ثم التفت إلى الخليفة وقال بهدوء الواثق من علمه:
(يا أمير المؤمنين، ما ظلمها القاضي، ولا انتقص من حقها شيئًا، وإنما أعطاها نصيبها وفق أحكام المواريث. وهذه المسألة من المسائل الفقهية المعروفة التي يُضرب بها المثل في دقة الحساب، وتُعرف باسم المسألة الدينارية).
ازداد المأمون حيرةً، وقال:
وكيف يكون نصيبها دينارًا واحدًا من ستمائة دينار، ثم تقول إنها لم تُظلم؟ بيّن لنا وجه المسألة حتى نفهم حقيقتها
عندئذٍ بدأ يحيى بن أكثم يشرح تفاصيل القضية، فسأل المرأة أمام الخليفة:
أخبريني يا أمة الله، هل ترك أخوك المتوفى زوجةً، وابنتين، وأمًّا، واثني عشر أخًا، وأنتِ أخته الوحيدة؟
فأجابته قائلة:
نعم يا سيدي، هؤلاء هم الورثة الذين تركهم أخي. هنا بدأ القاضي يوضح القسمة، فقال:
أما الابنتان، فلهما الثلثان من التركة، ومقدارهما أربعمائة دينار.
وأما الزوجة، فلها الثمن، ومقداره خمسة وسبعون دينارًا.
وأما الأم، فلها السدس، ومقداره مائة دينار.
وبعد إخراج هذه الأنصبة، يتبقى خمسة وعشرون دينارًا، وهي البقية التي تُوزَّع على الإخوة والأخت، باعتبارهم من العصبة، وفق أحكام الميراث.
ثم تابع القاضي موضحًا:
ولما كان للذكر مثل حظ الأنثيين، فإن كل أخ يُحسب بسهمين، بينما تُحسب الأخت بسهم واحد. وبذلك يكون للأخوة الاثني عشر أربعة وعشرون سهمًا، وللأخت سهم واحد، فيصبح مجموع الأسهم خمسةً وعشرين سهمًا.
وحيث إن المبلغ المتبقي هو خمسة وعشرون دينارًا، فإن قيمة السهم الواحد دينارٌ واحد؛ فيأخذ كل أخ دينارين، وتأخذ الأخت دينارًا واحدًا، وهو نصيبها الشرعي من التركة.
ساد المجلس صمتٌ قصير، ثم بدا على وجه المأمون أنه أدرك دقة القسمة، وأُعجب بقدرة القاضي على شرحها وإقامة الحجة عليها. غير أن انتباهه عاد إلى المرأة التي وقفت أمامه بكل هذا الثبات، واستطاعت أن تعرض شكواها بطريقة جعلته يستمع إليها بنفسه، رغم ما بدا في ظاهر الأمر من تعقيد المسألة.
تأملها الخليفة لحظةً، ثم قال لها بنبرةٍ يملؤها الود:
لقد تبيّن لنا أن القاضي لم يظلمكِ، وأن ما نلتِه هو نصيبكِ وفق أحكام الشرع، ولكن العدل لا يمنع الإحسان، والقانون لا يحول دون الكرم.
ثم أمر أن يُمنحها من ماله الخاص ألف دينار، إكرامًا لها، وتخفيفًا من ضيق حالها، وقال لها: لقد أخذتِ حقكِ من الميراث، أما هذه العطية، فهي فضلٌ منا، نرجو أن تعينكِ على ما أنتِ فيه.
خرجت المرأة من مجلس الخليفة وقد تحولت شكواها إلى عطاءٍ كريم، واجتمع في قصتها علم القاضي، وحسن عرض المرأة، وكرم الخليفة.
حاشية:
تعجبت أأُفضل وأُثني على المأمون أمير المؤمنين أم على القاضي يحيى بن أكثم أم على قاضي الموضوع الذي حكم لها بدينار أم على هذه المرأة الشجاعة الثابتة الجنان واللسان! وعندما لم أستطع الترجيح، رجحت هذه الأمة الراشدة التي أخرجت أمثال هؤلاء النجباء من الذين ملؤوا الدنيا عدلاً وعلماً بعد أن ملئت جوراً وجهلاً.
عزيزي الفريق البرهان انثر كنانتك من الكفاءات السودانية، فإن كان فيها قاضٍ في فقه وثبات ورجاحة عقل يحيى بن أكثم فليس هنالك ما يمنعك من أن تُعلن قرار تكوين المحكمة العليا هذه الليلة.
*حسين خوجلي*
