
حسن عوض أبو العلا.. شاعر العذابات الكبرى
حسن عوض أبو العلا.. شاعر العذابات الكبرى
بقلم: صلاح الدين عبد الحفيظ
لا تُذكر آلام الشعراء وعذاباتهم، بل وحياتهم المختلطة بذلك العذاب والضنى، مع الصبر وعدم الشكوى، إلا ويُذكر الشاعر الغنائي الأسطوري حسن عوض أبو العلا.
تشير أوراق عمره، الذي امتد إلى اثنين وأربعين عاماً، وهي الحياة التي عاشها ما بين عامي 1920م و1963م، إلى أنه ظل طوال هذه الفترة في بحث متصل عن الجمال والحسن، وهو ما ظهر جلياً في معظم كتاباته الشعرية الغنائية.
حسن عوض أبو العلا من أسرة عُرفت باليسر والرفاهية، إذ وُلد لأب يعمل بالتجارة ما بين أم درمان وشتى بقاع السودان، فكانت مدينة سنجة هي المدينة التي شهدت ميلاده وجزءاً من طفولته. فعاش حياة أبناء «الأرستقراط»، تحفّه رعاية والديه، هو وتوأمه حسين، الذي توفي بعد سنوات قصيرة في دنيا الحياة.
تلقى حسن عوض أبو العلا تعليماً نظامياً، فلا غرو أن يبزّ أقرانه ويعتلي صدارة ترتيبهم حتى مرحلة المدارس العليا، فكانت جمهورية مصر وجهته لتلقي العلم بإشارة من أهله. وهناك دخل كلية فكتوريا، التي لا يدرس فيها إلا الذين لهم من المال حظوة، ومن العلم نصيب.
أبرز الطالب النابغة حسن أبو العلا قدرات فذة في الجانب الأكاديمي وكتابة الشعر، فصار يُشار إليه بوصفه ظاهرة لن تتكرر، وهو في تلك السنين الغضة. كتب أبو العلا على جدارية الكلية مجموعة من الخواطر الأدبية والقصائد الشعرية الخاصة بموضوعات الغزل والمدح.
كان لاختزانه المبكر للمعرفة، من خلال قراءاته ومطالعاته في كتب التراث واللغة والأدب، أثر في رصانة ما يكتبه ويخطّه يراعه، وفي ما بعد، في قصائده الغنائية. وكان ذلك كذلك سبباً مهماً في اقتباساته المتكررة من لغة القرآن والتراث القديم.
في العام الأخير من دراسته بالكلية، وأثناء ممارسته هوايته المحببة، السباحة في مسبح الكلية، أُصيب بكسر في عنقه إثر اصطدامه بأرضية المسبح الأسمنتية، فأُصيب بشلل كلي أثّر على جسمه وألقى بظلاله على حياته، التي ارتبطت بهذا الحادث المأساوي.
لتنهال على موسوعة الغناء السوداني أغنيات من شاكلة أغنيات الأنفاس الرحمانية لغةً وعباراتٍ، بل وتراكيب لغوية غاية في العذوبة، فكانت روائع لا يمكن تجاوزها البتة من موسوعة الغناء السوداني:
بطرى اللي آمال وغاية
وما بتحمي المقدور وقاية
يسلم نهجي من الرماية.
سفري السبَّب لي أذايا
فرقة وفقدان هنايا
بطرى حبيب أملي ومنايا
وابكي على هذي النهاية
وببكي على تهديم بنايا
ليت حبيبي علي ناحا
وهي أولى أشعاره التي تغنى بها الفنان أحمد المصطفى في عام 1951، وتحكي مأساته مع الشلل. ثم توالت أغنياته، فكانت «لاحت بشائر العيد»، و«غرام قلبين»، و«حبيب الروح»، و«حرام يا زازة»، وهي الأغنيات التي تغنى بها الفنان أحمد المصطفى.
سكب الشاعر حسن عوض داخل هذه الأغنيات مأساته، وكتب قصته التي بدأت منذ إصابته بالشلل. وفي عام 1959م، بدأت العلاقة الغنائية بين الشاعر والفنان سيد خليفة، فكانت تجربة من تجارب الفن الغنائي الخالدة، رغم قلتها، ومن ثمارها الألحان الساحرة لسيد خليفة في أغنية «أسراب الحسان»:
أي سرب يتهادى
بين أفياء الظلال
يتسنى في جمال ويغني في دلال
مثل عنقود تدلّى
بشغاف القلب مال
وهي أغنية استدعى بها أيام دراسته بالإسكندرية، وهو شاخص، وأسراب الجمال تتهادى أمامه على «البلاج» تارة، وفي صحن الكلية تارة أخرى.
وفي أغنية «أمل»، التي اشتهرت أيضاً باسم «ولّى المساء»، يلحظ المستمع مأساته مجسّدة كما هي:
ولّى المساء، الواله المحزون في جوف الضباب
وأنا أهيئ زينتي وأعدّ مفتخر الثياب
آملاً لقياك الحبيب، يصدّني زهو الشباب
رحل حسن عوض أبو العلا في ريعان شبابه، لكنه ترك وراءه إرثاً شعرياً تجاوز حدود تجربته الشخصية، ليصبح جزءاً أصيلاً من ذاكرة الغناء السوداني. فقد استطاع أن يحوّل معاناته الجسدية وآلامه النفسية إلى قصائد تنبض بالجمال والشجن، وأن يجعل من عذابه الخاص مرآةً لمشاعر إنسانية يفهمها كل من عرف الحب أو ذاق مرارة الحرمان.
